اقتدار إيران... في الرياضة أيضاً

كما أن قرار الاتحاد الآسيوي لكرة القدم الذي فرضه قبل أيام على الأندية الإيرانية لم يكن عادياً، فإن إقدامه على تعديله، أو الأصحّ التراجُع عنه، لم يكن أيضاً عادياً ويشكِّل انتصاراً لإيران.

  • قدّمت إيران درساً في الأيام الأخيرة في الرياضة أيضاً

لم يكن القرار الذي اتّخذه الاتحاد الآسيوي لكرة القدم حول حِرمان الأندية الإيرانية من لعب جميع مبارياتها في دور المجموعات لدوري أبطال آسيا هذا الموسم على أرضها واعتماد أرض مُحايدة بعد الأوضاع الأخيرة التي شهدتها المنطقة عادياً، ولذا لم يكن القرار الذي صدر أمس من ماليزيا بعد الاجتماع بين مُمثّلي الأندية الأربعة برسبولس واستقلال وشهرخودرو وسيباهان أصفهان ومُمثّل وزير الرياضة الإيراني مع الأمين العام للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، ويندسون جان، عادياً كذلك.

إذ أن تنجح إيران في تعديل قرار الاتحاد القاري من الحرمان التام للفِرَق الإيرانية باللعب على أرضها إلى أن تستضيف مباريات الإياب في طهران ومشهد وأصفهان بدءاً من الجولة الرابعة، على أن يلعب استقلال وشهرخودرو مباراتَيهما في الدور التمهيدي المؤهّل للبطولة كما كان مُتّفقاً سابقاً في دبي فهذا انتصار لإيران. هو انتصار بكافة المقاييس شكلاً ومضموناً، إذ أن إيران أجبرت الاتحاد الآسيوي على تعديل قراره بسرعةٍ قياسيةٍ في غضون أيامٍ، في حين أن في بلدان أخرى فإن الأمر يأخذ جَدَلاً طويلاً ومدَّاً وجَزْراً حتى التوصّل إلى الحلول، هذا إذا تمّ التوصّل إليها، أو أن البلدان المعنية ترضخ للقرارات مباشرة. في إيران الوضع مختلف إذ بمُجرَّد اتّخاذ الاتحاد القاري قراره الجدلي وغير المنطقي من دون مُبرِّرات حتى تداعت الأندية الإيرانية إلى الاجتماع واتخاذ قرار بالانسحاب من البطولة.

أن تنسحب أندية إيران  فهذا ليس بالأمر العابِر ويعلم ذلك الاتحاد الآسيوي جيداً، حيث إن الكرة الإيرانية من الأقوى ليس في غرب آسيا فحسب بل في القارّة الآسيوية ككل، وهذا ينطبق على الأندية في البطولات الآسيوية وعلى المنتخب الإيراني في كأس آسيا وفي تمثيله القارة في بطولات كأس العالم، حيث قدَّم أداء مُشرِّفاً في النسخة الأخيرة في مونديال روسيا 2018 وكان قريباً من إخراج البرتغال والتأهّل إلى دور الـ 16. 

فضلاً عن أن الدوري الإيراني من أبرز البطولات المحلية في آسيا وتصنيفه الخامس، وللكرة شعبية جارِفة في إيران إذ يكفي القول إن ملعب "آزادي" الشهير في طهران يحتشد فيه في العديد من المباريات خصوصاً في "الديربي" بين برسبولس واستقلال ومباريات منتخب إيران أكثر من 100 ألف مُتفرِّج في مشهد لا مثيل له في قارَّة آسيا ونادر في العالم لا نراه، على سبيل المثال، سوى في ملعب "كامب نو" في برشلونة وملعب "ماراكانا" التاريخي في البرازيل، علماً أن إيران تقوم بتشييد 10 ملاعب كرة جديدة في البلاد ستكون جاهزة في السنوات المقبلة.

غير أن إيران في ظلّ هذا القرار المُجحِف من الاتحاد الآسيوي قدَّمت درساً آخر في الأيام الأخيرة حول التماسُك والتكامل ودفاع كل مكوِّنات الدولة عن حقوقها بما فيها المجال الرياضي. ما يختلف في إيران أن الرياضة ليست مُجرَّد تنافُس وفوز في الملعب بل هي أحد أوجه صمود الشعب الإيراني إزاء الحِصار على إيران طيلة السنوات الماضية. الرياضي الإيراني يُشكِّل نموذجاً للجدّ والاجتهاد والتصميم والمُثابَرة وتخطّي الصِعاب لرَفْعِ إسم بلاده عالياً، وهو بفضل هذه الميزات واعتزازه ببلاده المُحارَبة في كل المجالات غالباً ما يُحقِّق نجاحات لافِتة تشهد عليها النتائج في أكثر من رياضة، وهذه الإنجازات تحظى في أحيانٍ كثيرةٍ بإشادة المُرشِد الإمام علي الخامنئي والرئيس حسن روحاني والمسؤولين الإيرانيين.

من هنا رأينا، وهذا بدا لافتاً، أن الأندية الإيرانية بعد قرار الاتحاد الآسيوي لم تُترَك لمصيرها بل لقيت الدعم سريعاً على كافة المستويات إن كانت شعبية أو رسمية. مباشرة فإن النواب في مجلس الشورى الإيراني أصدروا بياناً أعلنوا فيه احتجاجهم على القرار ووقوفهم إلى جانب الأندية الأربعة، فيما أجرى وزير الشباب والرياضة الإيراني، مسعود سلطاني فر، مُكالمة هاتفية مع رئيس الاتحاد الآسيوي، الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، أبلغه فيها احتجاج طهران الشديد على القرار ومؤكِّداً أن إيران آمِنة وتستطيع استضافة المباريات.

ثم كان الموقف الهام من وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الذي أكَّد أن القرار غير رياضي وبأن إيران هي الدولة الأكثر أمناً في المنطقة، بينما أعلن المُتحدِّث بإسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، إن الجهازين الدبلوماسي والرياضي في البلاد هما المعنيّان بمتابعة المسألة. 

بطبيعة الحال فإن هذه المواقف من المسؤولين الإيرانيين والالتفاف حول أندية بلدهم لا شك وصل صداها إلى المكان المناسب في التوقيت المناسب، وصولاً إلى تعديل الاتحاد الآسيوي قراره أو الأصح التراجُع عنه، وهذا دليل آخر على انتصار الإرادة الإيرانية وحقّها، إذ ليس عادياً أن يُغيِّر الاتحاد الآسيوي قراراً هو اتّخذه حيث إنه في أكثر الأحيان يكون حَكَماً في نزاعٍ بين طرفين.

باختصار، إيران تُثبِت مُجدَّداً اقتدارها في كل المجالات وهذا ما أكَّدته أخيراً في الرياضة أيضاً.