لكمة في وجه أميركا.. أنا محمد علي!

يصادف اليوم 3 حزيران/يونيو الذكرى الرابعة لرحيل محمد علي كلاي، وتتزامن الذكرى هذا العام مع تظاهرات في شوارع أميركا ضد العنصرية والتمييز، ومواقف الشارع الأميركي اليوم ليست بعيدةً عن تلك التي اتخذها محمد علي.

  • لكمة في وجه أميركا.. أنا محمد علي!
    محمد علي يقف فوق سوني ليتسون في نهائي بطولة الوزن الثقيل

رحل جورج فلويد في الولايات المتحدة الأميركية وهو يتوسل إلى الشرطي الأبيض. عادت أميركا بلد الديموقراطية والحريات كما يشاع إلى حقيقتها، عادت إلى ما يزيد عن 50 سنة إلى الوراء، إلى الزمن الذي كان يصح فيه شعار "نريد أن نتنفس".  

وفي تلك السنوات، عندما كان أصحاب البشرة السمراء يضطهدون ويقتلون ويعتقلون، كان البعض أمثال مالكوم أكس، ومارتن لوثر كينغ يرفعون الصوت عالياً. ومضافاً إلى صوتهم الذي ارتفع في سماء أميركا، كانت مواقف البعض رنانة وصاخبة بقدر مواقفهم، وخصوصاً في عالم الرياضة.

"لماذا أطالب بارتداء الزي الرسمي وأقطع 10 آلاف ميل كي أطلق الصواريخ على مواطني فيتنام الذين يلقبون بالزنوج، والمحرومين من أبسط حقوق الإنسان"، بهذه الكلمات رفض محمد علي كلاي الذهاب إلى حرب الفيتنام في العام 1967. كلمات كانت بمثابة تحدٍ للسلطات والسياسات الأميركية التي لم تتغير؛ السياسات القائمة على الحروب والقمع. هذا الموقف وجه ضد الرجل الأسود الذي اعتنق الإسلام، وغير اسمه ليكون متشابهاً مع الدين الذي اعتنقه. كلمات جرّدت البطل الصلب من كل ألقابه، كما جعلته يتوقف عن اللعب قسراً لمدة 4 سنوات، ويتعرّض لمحاكمات عدة حتى تم تجريمه بـ"رفض أداء الواجب العسكري الوطني"، وحكم عليه بالسجن لـ5 أعوام و10 آلاف دولار أميركي، قبل أن يوقف تنفيذ الحكم.

يصادف اليوم 3 حزيران/يونيو الذكرى الرابعة لرحيل محمد علي، في وقت تشهد الولايات المتحدة الأميركية انتفاضة واحتجاجات على مقتل جورج فلويد، الأميركي الأفريقي على يد شرطي أبيض. وهذه الأيام تشبه محمد علي كثيراً، حيث كان دائماً نداً للسياسات الأميركية، ولعل رفضه الذهاب إلى فيتنام يختصر الكثير.

لم يكن محمد علي مجرد رياضي، وهو "رياضي القرن العشرين"، لقد جعلته مواقفه يتفوق على كثر مثل بيليه ومارادونا. كلاي وبعيداً عن العواطف يشكل تشخيصاً لقضية السود والمساواة في الحقوق بعيداً عن العرق والدين.

يقول "أسطورة" كرة السلة كريم عبد الجبار: "في الوقت الذي اعتقل فيه السود الذين تحدثوا عن الظلم ووصفوا بالمتمردين على مكانتهم الطبقية، ضحى محمد بأفضل سنوات مسيرته لكي يقف شامخاً ويكافح من أجل ما يعتقد أنه حق"، مضيفاً "ما قام به جعل الأميركيين، البيض والسود منهم، يقفون شامخين. قد أكون 7 أقدام و2 إنش لكنني لم أشعر يوماً بالطول الذي شعرت به عندما كنت أقف في ظله".

وعندما سئل محمد علي كلاي عن كيف يحب أن يذكره الناس، أجاب: "كرجل لقّب ببطل العالم في الوزن الثقيل ثلاث مرات، يملك روحاً مرحة وعامل الناس بشكل صحيح. كرجل لم ينظر يوماً بفوقية إلى أناس نظروا إليه كرمز، ناضل من أجل قناعاته، وحاول توحيد البشرية جمعاء من خلال الإيمان والحب... ولكن، إن كان هذا كثيراً، أعتقد أنني سأكتفي بأن يتذكروني كملاكم عظيم، أصبح بطلاً وقائداً لشعبه، ولن أمانع أبداً إذا لم يتذّكروا وسامتي".

تعرض كلاي إلى الكثير من المضايقات، ولكنه كان دائماً قوياً وصلباً كما كان في الحلبة، وعندما شُكك بوطنيته وانتمائه رد قائلاً: "أنا جزء من أميركا، ولكنه الجزء الذي لا تحبونه، اعتادوا عليه، أسود، واثق، مغرور، اسمي لا يشبه أسماءكم، وديانتي أيضاً". 

اعتزل محمد علي كلاي الملاكمة عام 1979، بعد مسيرة حافلة تضمنت 56 فوزاً، منها 37 بالضربة القاضية، و5 هزائم، فيما توج باللقب العالمي 3 مرات. وربما، لو لم تفرض عليه تلك العقوبات لفاز باللقب العالمي لمرات عدة. 

أصيب محمد علي عام 1984 بداء باركنسون (شلل الرعاش)، وتدهورت حالته الصحية عام 2005 بشكل ملحوظ، وتوالت بعدها نكساته الصحية، حيث كان يمضي فترة من الوقت كل سنة في مستشفى بمدينة فينيكس بولاية أريزونا.

أربع سنوات على رحيل محمد علي، حيث فارق الحياة في العام 2016. ودعه العالم بالدموع والزهور، لأنه لم يرفع اسمه كرياضي فقط، وإنما كرمز للحقوق والمساواة والشموخ. "الفراشة" كان خفيفاً في الرياضة ثقيلاً في مواقفه.. لكمّ السلطات بكلماته وكان فخوراً باسمه وبشرته وأصوله.