الحراك الشعبي في الجزائر وكرة القدم

مباريات نهائيات كأس أمم أفريقيا التي أدّى فيها منتخب الجزائر دوراً كبيراً بقيادة بلماضي وتوِّج باللقب لم تقتل روح الحراك الشعبي الذي كان يحتضنه الشارع منذ الثاني والعشرين من شباط/ فبراير، لا بل أن تتويج الجزائر كان له انعكاسات إيجابية على الحراك.

  • أبدى البعض رغبتهم في أن يكون هناك رئيس للدولة الجزائرية يحمل روح بلماضي وأن يتحلّى الطاقم الحكومي بعزيمة وتضحية اللاعبين

كان المشهد الجزائري قبل انطلاق مباريات كأس أمم أفريقيا ينتظر نصراً كالذي تحقّق للمنتخب الوطني، بعد أن كانت الأحداث السياسية أكثر توتّراً باقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وكان وضع المنتخب الجزائري يعاني العديد من المشاكل، حيث كان لا يزال يعيش انكسارات وهشاشة بداخله، بعد أن حاول المدرّب الوطني السابق رابح ماجر أن يصلح فيه شيئاً لكي يتمكّن من المنافسة به خلال نهائيات كأس أمم أفريقيا 2019.
لم تمض مدّة على تنصيب ماجر حتى علت أصوات المُناصرين بتنحيته بسبب ضعف مردود المنتخب إذ لم يوفَّق ماجر في إصلاحه، ولم يكن أمام رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم خير الدين زطشي خيار آخر سوى اللاعب السابق للمنتخب الجزائري جمال بلماضي، حيث تمّ استدعاؤه ليباشر مهامه كمُدرّبٍ وطني. لم يكن أحد أيضاً يترقّب أن تكون الجزائر هي حامِلة اللقب والمُنافس الأشرس في البطولة حيث أن الكل يعلم بتدهور حال الفريق حينها، ولم تكن ضمن المُرشّحين الأوائل، بل كنا ننتظر منهم أداء مُميّزاً فقط، لكن تجاوزت طموحتنا وبلغت القمّة حين بدأت مباريات النهائيات في البطولة، حيث كان الأداء مُشرِّفاً، ونتائج المباريات مُتميِّزة وظهور لاعبين جُدُد في المنتخب لأول مرة كأندي ديلور، هشام بوداوي، والحارس ألكسندر أوكيدجا.. إلى جانب اللاعبين الذين كان لهم حضور في المنتخب من قبل كرياض محرز وبغداد بونجاح ويوسف بلايلي والحارس رايس مبولحي وغيرهم.

 

كرة القدم والحِراك الشعبي
لم تقتل مباريات نهائيات كأس أمم أفريقيا التي أدّى فيها منتخب الجزائر دوراً كبيراً بقيادة بلماضي روح الحراك الشعبي الذي كان يحتضنه الشارع منذ الثاني والعشرين من شباط/ فبراير، بل استمرّ توافُد الناس كما لم يمنعهم حرّ الصيف، وصَوْم رمضان من الخروج والهتاف والإصرار على تلبية مطالبهم، رغم وجود العديد من "قُطَّاع الطُرق" الذين حاولوا الانزلاق بالحِراك إلى منحى آخر، كما حاولوا من قبل أن يُرهِبوا ويُخوّفوا الناس في بدايته بأنه سوف يكون مصير الجزائر كمصير الشعوب التي تجرَّعت من كأس ما يُسمَّى "الربيع العربي" بداية من سنة 2011، كالجار الشقيق تونس، وحاضِن نهائيات الكأس مصر، وغيرها من الدول العربية.
في المقابل كانت هناك شريحة حاولت أن توقِظ الناس كي لا تخدّرهم كرة القدم كما كانت تفعل في السابق، بل كان هناك وعي لدى العديد من الذين خرجوا مؤمنين بأفكارهم وتطلّعاتهم لغدٍ أفضل للجزائر.
وقد سافرت روح الحراك إلى مصر، حيث رفَعَ أحد المُناصرين لافتة لشعارٍ سياسي في الملعب كان من ضمن الكلمات الشائِعة لدى الشارع الجزائري، وتمّ ترحيله بعد تدخّل السفارة حيث كان قد حُجِزَ من قِبَل الشرطة المصرية.
وقد كان تخوّف ثلّة من الجزائريين بأن يتصرَّف المُناصرون الجزائريون خلال مباراة نهائي الكأس حيث حَضَرَ رئيس الدولة الجزائرية عبد القادر بن صالح بصورةٍ غير لائقةٍ كأن يهتفوا بشعارات ٍتخصّ الحراك الجزائري، أو يرفعوا لافتات تخصّه، لكن في الأخير حَضَرَ المُناصرون بقوّة في الملعب وقاموا بدورهم لرفع معنويات اللاعبين وتشجيعهم من دون أن تخرج المباراة عن روحها الرياضية والأخلاقية.


بلماضي بين مدرّب للمنتخب وقدوة يُحتذى به
أتى بلماضي إلى المنتخب فوجده في حال من التصدّع والهَشاشة، فرمَّمه وظهر به لنا في الكأس ليُبهرنا بجودة ما صنعه به، من منتخبٍ هزيلٍ ومُشتّتٍ إلى منتخبٍ ينافس على الكأس ويحصدها عن جدارة واستحقاق. ولم تنته مباراة إلا وعجَّت منصّات التواصل الاجتماعي بردود الفعل حول التغيير الذي قام به المدرّب الوطني في الفريق، فأصبح بلماضي شخصية جزائرية لها دلالات عدّة، كالعمل والجد والمُثابَرة... وغيرها، ولم تكتف بذلك فقد رشَّح بعضهم بأن يكون بلماضي رئيساً للدولة فهو الذي تمكَّن من أن يقود فريقاً من الانكسار إلى الانتصار فيمكنه أن يأخذ الجزائر إلى برّ الأمان، في حين كانت هناك ردود أخرى حول رغبة البعض في أن يكون هناك رئيس للدولة الجزائرية يحمل روح بلماضي وأن يتحلّى الطاقم الحكومي بعزيمة وتضحية اللاعبين، ولم يفوِّت الكاتِب والروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة الذي رافق الحراك منذ بدايته، ورافق انتصارات كرة القدم بقلمه هذا الحدث، ليتمعَّن فيه ويطرح عبر صفحته في "فايسبوك" مقالاً من مقالاته اليومية " فنجان ساخِن" عما يمثّله كل فرد من أفراد الفريق الوطني في الحراك الشعبي كأفراد.


أعين المُثقّفين على الحراك و مُجريات الكأس السمراء
لم تعد تمرّ هذه الأحداث مرور الكِرام على أعين المُثقّفين والنخبة الجزائرية إلا وربطتها بما يجري على الصعيد السياسي ووضعت مخرجات لها، ربما هذه دلالة أولى للتنبؤ بتغيير فكري لدى الشارع الجزائري نحو الطريق الصحيح، فحين يستقيم فكر الهرم تستوي القاعدة بأكملها.