الأخبار: تفكيك ديكتاتورية المصارف

لا شكّ بأن هناك الكثير من المتحمّسين للجوء إلى صندوق النقد الدولي. رأينا هذه الحماسة لدى وزير العمل السابق. أمّا الهدف من وجود صندوق النقد الدولي في لبنان هو وضع اليد على كلّ السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية اللبنانية، وهو يشتهر بأنّ وصفاته تأتي في خدمة كبار الرأسماليين في كلّ البلدان وعلى حساب الفئات الوسطى والفئات الشعبية.

  • الأخبار: تفكيك ديكتاتورية المصارف
    احتجاجات أمام جمعية مصارف لبنان

يجب أن نتجنّب صندوق النقد الدولي بكلّ الأساليب المتاحة. المخاوف مبرّرة من أن يكون هناك شبه قرار، بما تبقى من الدولة، في اللجوء إلى صندوق النقد الدولي ليتّخذ عنها القرارات الصعبة. قد يكون هناك تسليم من قوى السلطة بهذا الأمر.

الواقعية تفرض أن تكون هناك جبهة في لبنان تقف رفضاً لتطبيق وصفات صندوق النقد. لا يجب أن ننسى أن ما قتل النمو الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة، هو أن الدولة لجأت إلى سياسات التقشف بينما كان المطلوب العكس تماماً وتكريس سياسات تنشيط الوضع الاقتصادي المتراجع.

انطلاقاً من هنا، نحن بحاجة إلى حكومة منفتحة الآراء وغير خاضعة للنفوذ الفكري لصندوق النقد الدولي. لا شكّ بأن هناك موجة إقفال هائلة للمؤسسات تتحمّل الحكومة السابقة المسؤولية عنها، لأنها لم تقُم بما كان يتوجب عليها القيام به. وحتى رغبتها وسعيها لزيادة الإيرادات الحكومية فشلت في ظلّ السياسات الانكماشية التي اتّبعتها. كان موقفاً سخيفاً ومتناقضاً يدلّ على نوع من الجهل بقواعد الاقتصاد الأساسية.

عند الدوائر الحاكمة، قد يكون مسلّماً به الإتيان بصندوق النقد الدولي. ما سيحصل تحت هذا العنوان هو أن الصندوق سيُكمل السياسات السابقة الانكماشية. الفقراء سيصبحون أكثر فقراً، والأغنياء سيغتنون أكثر. وستكون لدينا عمليات خصخصة على رأسها قطاع الاتّصالات وصولاً إلى مرفأ بيروت والمطار… نتائج اللجوء إلى صندوق النقد الدولي معروفة سلفاً، أي إنه في النتيجة سيتدهور الوضع الاقتصادي، ويزداد عدد اللبنانيين المصنفين تحت خطّ الفقر. بعد تطبيق هذه الوصفات قد ترتفع معدلات الفقر إلى 70%.

في المقابل، يجب أن يكون لدينا برنامج بديل تكون فيه أولويات السياسة الاقتصادية هادفة نحو إعادة تنشيط النموّ الاقتصادي، ودعم المؤسّسات الإنتاجية وتجنّب الإفلاسات في القطاع الخاص ودعمه إذا اقتضى الأمر. ويجب أن يترافق هذا الأمر مع خفض الفوائد على الدين العام وإعادة جدولته، علماً بأنّ هناك تصوّرات عديدة بهذا الشأن. عملياً، نحتاج إلى نوع من حكومة إنقاذ يمكنها أن تتبنّى هذا البرنامج لوقف الكارثة التي نشهدها. ليس هناك دولة تترك اقتصادها في حالة انهيار تام.

الكلام الذي يروّج للجوء إلى الصندوق قائم على تبرير هذه الخطوة بالحاجة إلى دعم ماليّ منه أو باعتباره محفّزاً للدعم المالي الدولي. أذكر أنه في فترة التحرير التي كانت فترة حرجة وصعبة وكنت يومها وزيراً للمالية، لم أطلب قرشاً من أحد. حتى عندما رغب الرئيس الحص في اللجوء إلى الدول المانحة أبلغته بأن هذا الأمر تضييع للوقت لأن واحداً من شروطهم هو عزل حزب الله. نحن لا نحتاج إلى أيّ دعم مالي من أحد، والاعتياد على التسوّل من الخارج ليس أمراً سليماً، بل يكمن الأمر في المواجهة الصحيحة. فعندما يخرج البلد من حالة حرب، يجب أن تكون معدلات النمو بفعل إعادة الإعمار 10% و12%، أما النتائج فكانت عبارة عن لا شيء. الناس كانوا يذهبون إلى التوظيف في سندات الخزينة من خلال لعبة قذرة انطوت على استدانة الدولارات بفوائد منخفضة وتوظيفها بفوائد خيالية في السندات بالليرة. وهذه لم تكن حتى مضاربة على العملة لأنها لم تكن تحمل أي مخاطر في ظلّ سعر الصرف الثابت. كانوا يروّجون لهذه اللعبة إقليمياً وعربياً لتقديم الهدايا. يجب محاكمتهم كلهم على هذه السياسات.

هل هناك دولة خارجة من الحرب تقوم بخفض ضريبة الدخل. هذا أمر سوريالي. كان هناك ديكتاتور واحد هو رفيق الحريري مغطّى من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.

ما يجب أن نقوم به مختلف تماماً. إن إنشاء صندوق لدعم وتسهيل إعادة فتح المؤسسات التي أفلست ومنع المزيد من البطالة الناتجة عن الإغلاق، يجب أن تكون أولويات أيّ برنامج بديل. الاتّجاه العام يكمن في إعادة تنشيط الإنتاج المحلي وإعادة النظر بكل اتفاقات التبادل التجاري التي وُقّعت أيام الرئيس رفيق الحريري والتي أدّت إلى شلّ القدرات الإنتاجية في لبنان. الصناعات اللبنانية لديها كفاءات ويمكنها أن تزدهر. صناعة الأدوية يمكن توسيعها، وهناك مجالات واسعة. صناعة المفروشات والأثاث المنزلي التي اشتهر بها لبنان كانت مزدهرة لكننا فتحنا الأبواب أمام استيراد المفروشات الإيطالية والأندونيسية والتركية… يمكن التفاوض مع منظمة التجارة العالمية على وقف هذه الاتفاقات بالاستناد إلى بنود الاتفاقيات التي تتيح القيام بهذا الأمر.

وعلى صعيد آخر، يجب أن نعلم ما حصل؛ المصارف كانت لديها ميزانيات مزدهرة، لكن ما الذي حصل فيها؟ يجب أن تكون هناك لجنة تحقيق لمعرفة كيف بات اللبناني مضطراً لأن يتسوّل مدخّراته من المصارف. هذا أمر خيالي. هناك ضرورة أن تقوم اللجنة بمراجعة لسياسات مصرف لبنان، كما أنه من الإجراءات الضرورية المستعجلة فصل لجنة الرقابة عن المصارف عن مصرف لبنان. أن يكون مصرف لبنان مسيطراً على اللجنة، هذا شاذ.

من الضروري تفكيك ديكتاتورية المصارف. لا يعقل أن تكون للمصارف علاقات وطيدة مع أركان النظام السياسي وأركانه. ليست هناك دول يكون لديها وزراء هم أصلاً أعضاء مجالس إدارة المصارف. لدينا حالياً ظاهرة شاذة؛ موجودات المصارف تمثّل أربع مرات الناتج المحلي الإجمالي. لهذا السبب صارت المصارف تستغلّ الاقتصاد اللبناني إلى أقصى الدرجات، ولهذا السبب صار لدينا فوائد مرتفعة في البلد. هذا هو مصدر الكلفة الأساسية في لبنان بينما في ظلّ هذا الحجم من الموجودات المصرفية، كان يُفترض أن تعمل المصارف في الخارج، وأن تكون أرباحها من الخارج. المفارقة أنه إذا كانت لدينا موجودات بقيمة 150 مليار دولار، لن نتمكّن من الازدهار على قاعدة اقتصادية بـ 50 مليار دولار.

ليست مهمّة سهلة أبداً، لكن لا بدّ من فرض حظر على رجال السياسة لمنعهم ومنع عائلاتهم من الوجود كأعضاء في مجالس إدارة المصارف.

من الضروري إعادة مصرف لبنان إلى دوره الكلاسيكي. فعلى سبيل المثال هو يملك شركة طيران بشكل مخالف لقانون النقد والتسليف. حتى بالنسبة إلى ما يسمح القانون به من تسهيلات ائتمانية للحكومة يجب أن تكون على مدى ثلاثة أشهر وليست أكثر من 10٪ من إيرادات الدولة.

أما إذا أردنا أن نعيد الليرة لتكون عملة رئيسية في لبنان يجب وقف مقاصة الشيكات بالدولار. عندما سمحنا بهذه المقاصة، صار الدولار، وهو عملة دولية قويّة، عملة محلية. اليوم أصبحت المعاملات بالليرة اللبنانية 30% مقابل 70% للدولار، بينما في السبعينات كانت الكتلة النقدية المتداولة موزّعة 30% بالدولار و70% بالليرة.

وإذا أردنا الحفاظ على سعر صرف ثابت، يجب أن نقرّ نظام مجلس النقد، مع أني لست من أنصار هذا النظام، لكنه يسمح بأن تكون العملة المستعملة الدولار أو ما تسمح موجودات الدولار بإصداره بالليرة اللبنانية.

في المجمل يجب إعادة النظر بالنظام النقدي بكامله، وبكل الأمور التي تعدّ من أساسيات النظام الريعي القديم الذي دمّر البلد. يفترض أن تكون العملة اللبنانية مرتبطة بسلّة عملات من الدول التي نتاجر معها بشكل رئيسي بحيث يكون سعر صرف الليرة مبنياً على سلّة هذه العملات. بهذه الصيغة يصبح اليورو أساسياً ضمن هذه السلّة لأن استيرادنا من أوروبا أكثر بكثير من استيرادنا من الولايات المتحدة. كذلك يجب توسيع هوامش تقلبات سعر الصرف. إن تثبيت سعر الصرف ليس أمراً طبيعياً، لأن تقلبات السعر تقدّم إشارات عن الوضع الحالي وعن الإجراءات المطلوبة لتصحيح الوضع.

إذا لم يكن هناك تغيير في الفئة الحاكمة لا شيء يمكن أن يتغيّر. يجب احترام المبادئ الأساسية لاقتصاد ليبرالي. اقتصاد لبنان ليس ليبرالياً، بل موجّهاً عبر شخصيات سياسية، ويمكن أن نطلق عليه مسمّى الجمهورية اللبنانية المالية والعقارية.

يجب استعادة المنطق الاقتصادي السليم. منذ ثلاثين سنة نعيش في منطق أعوج، واللا منطق. في ظلّ نظام نقدي ومالي لمصلحة أصحاب الرساميل.

 

* اقتصادي لبناني، ووزير مال سابق

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً

"نيويورك تايمز": الأوهام القاتلة لجنون...

المونيتور: فيروس كورونا يضرب الجيش...