الأحداث تنبئ عنها ظلالها.. بوادر تحالف عربي إسرائيلي في مواجهة إيران وحلفائها

انتهت الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف يوم 31 آذار/مارس الماضي دون أن ينتج عنها أي اختراق يذكر وفي أي ملف من الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات، وما يسجل لهذي الجولة هو توافق الأطراف المشاركة على ترحيل الملفات العالقة برمتها إلى جولة جنيف السادسة التي من المقرر لها أن تنعقد منتصف شهر نيسان/أبريل الجاري.

كان الغياب الأميركي في الجولة الخامسة هو أبرز المعطيات التي يمكن التوقف عندها ولربما كان الرأي لدى الكثيرين أن تلك الحالة مؤقتة أو مرحلية
كان الغياب الأميركي في الجولة الخامسة هو أبرز المعطيات التي يمكن التوقف عندها ولربما كان الرأي لدى الكثيرين أن تلك الحالة مؤقتة أو مرحلية ريثما يصل الروس والأميركيون إلى تفاهمات مشتركة الأمر الذي قد يحدث فقط في حال انعقاد قمة أميركية روسية، إلا أن هذي الأخيرة تبدو وكأنها بعيدة المنال قياساً إلى المعطيات المتوافرة وإلى الحجارة التي ما انفكت قوى داخلية أميركية تعمل على زراعتها في الطريق الشائك أصلاً بين موسكو وواشنطن، ناهيك عن حالة الاضطراب القصوى التي يشهدها الداخل الأميركي بفعل «المؤثرات» الروسية المفترضة حيث تعمل العديد من القوى الأميركية على إظهار هذه الأخيرة كرافعة أساسية انتشلت دونالد ترامب من التهميش إلى البيت الأبيض.

لكن على الرغم من كل ذلك فإن الغياب الأميركي يبدو خادعاً أو إن الحضور الأميركي يستكمل شروطه لكي يكون وازناً بدرجة ممتازة، وهذه الحالة الأخيرة تتضح عبر الإيعاز الذي أرسلته واشنطن إلى قمة البحر الميت في الأردن في يومي 29 و30 آذار/مارس الماضي بوجوب التأسيس لتحالف عربي إسرائيلي في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة، وما يؤكد هذه الفرضية أمران اثنان أولهما هو حدوث المصالحة المصرية السعودية التي تجلت بلقاء الرئيس المصري مع العاهل السعودي على هامش القمة، أما عمق المصالحات فهو يتأكد عبر الإعلان عن إعادة تزويد مصر بـ700 ألف برميل نفط يومياً وثانيهما هو ما حمله إلينا بيان القمة الختامي فقد احتوى هذا الأخير على بند رئيسي عبّر فيه المجتمعون عن استعدادهم للبدء في مصالحة مع إسرائيل، والكارثي في الموضوع هو أن هذا العرض الأخير جاء مجانياً انطلاقاً من أنه لم يكن مشروطاً باستعادة الجغرافيا المحتلة ولا بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، وهو ما لم تكن تل أبيب تحلم به في أي مرحلة من المراحل، ولذا فإن الراجح، وقياساً إلى السياسات الإسرائيلية الكلاسيكية، أن تعمد هذي الأخيرة إلى التراجع أمام التهافت والتهالك العربي، فالدواليب تدور الآن على الجائزة الكبرى والأمل كبير في أن تكون من نصيبها وخصوصاً بعدما وقفت بعض الدواليب على أرقام متطابقة مع الورقة الإسرائيلية.
  
بالتزامن مع ما سبق، خطت واشنطن خطوة مهمة لها العديد من الدلالات والمعاني عندما أعلنت المندوبة الأميركية الدائمة في الأمم المتحدة نيكي هيلي في 28 آذار/مارس الماضي عن أن إسقاط الرئيس بشار الأسد ليس من الأولويات، ومن ثم أعقبها تصريح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيرلسون في 30 آذار/مارس الماضي الذي قال فيه: إن وضع الرئيس الأسد يقرره الشعب السوري فقط، في تناغم واضح مع وجهة النظر الروسية التقليدية.

ما سبق يؤكد حدوث انعطافة أميركية موصوفة لا مجال للبس فيها، في حين أن الدوافع التي أدت إلى تلك الانعطافة هي على الأرجح تتلخص بالقول: إن الأميركيين قد وصلوا إلى درجة قصوى من اليأس في إمكان حدوث تغيير في الموقف الروسي تجاه الأزمة السورية الأمر الذي أدى إلى التعامل مع هذا الأخير كواقع لا يمكن القفز فوقه، وهو ما يعرف بالبراغماتية السياسية التي يشتهر الأميركيون بها، ولربما يمكن القول أيضاً إن هؤلاء باتوا يرون في استمرار الحرب السورية شرارة تهدد بإحراق كل هذا الهشيم إذا ما قيّض لها أن تخرج إلى ما وراء حدودها الجغرافية، إذ لطالما هدف الأميركيون وعلى امتداد «الربيع العربي» إلى أن يكون الحريق انتقائياً وبمعنى آخر فهو يجب أن يطول حلقات القوة في السلسلة العربية ويستثني في الآن ذاته الحلقات الضعيفة أو الواهنة.
 وفي جميع الأحوال فإن هذه الانعطافة تمثل حالة طلاق بائن مع المسار الأميركي الممتد منذ خمس سنين إلى الآن، وهي في الآن ذاته تمثل اعترافاً صارخاً بالهزيمة الأميركية وكذا التركية أيضاً، إذ لطالما كانت الأهداف التي تسعى إليها كل من واشنطن وأنقرة تختصر في أمر وحيد هو إسقاط النظام القائم في دمشق، إذ من السذاجة القول إن عملية درع الفرات كان ستكتفي، في حال وجود ظروف ملائمة، بالقضاء على جنين الدويلة الكردية النامي في رحم الشمال السوري كما كان معلناً على الملأ، ومن المؤكد أن تلك العملية كانت تطمح إلى «ختام المسك» الذي لا يكون إلا بسقوط نظام دمشق في أعقاب نجاحها في فرض منطقة آمنة بعمق خمسة آلاف كم2 داخل الأراضي السورية، والحدثان، كما ترى أنقرة، هما كفيلان بتحقيق المرامي الجغرافية التي لطالما شكلت هاجساً كبيراً لأنقرة منذ اتفاقية سيفر في عام 1920.

 ولذا فإن إعلان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في 30 آذار/مارس توقف العملية العسكرية التركية البادئة منذ 24 آب/أغسطس 2016 لكونها حققت أهدافها، هو إعلان غير صحيح وهو يخفي وراءه ضغوطاً دولية لا قبل لأنقرة بتحملها، ما يوحي بدخول الدور الإقليمي التركي في طور التهميش الذي كان فيه ما قبل إطلاق عملية درع الفرات، والانتعاش الذي عاشه ذلك الدور في أعقاب هذه العملية الأخيرة كان ناجماً أساساً من ضوء روسي أخضر ومن حالة «غض الطرف» الأميركية، ولربما كانت التوترات التي تعيشها السياسات التركية تجاه الأوروبيين خير دليل على انكماش ذلك الدور، والجدير ذكره هنا في هذا السياق هو أن إدارة باراك أوباما كانت قد اعتمدت في سياق صراعها مع طهران على ضرب مناطق النفوذ الإيراني في محاولة للقيام بقصقصة الأجنحة الإيرانية، ولذا فإن ذلك النهج كان قد اقتضى دعم القوى التي تعتبرها واشنطن مهمة لضرب حصار خانق حول إيران وبالتأكيد كانت تركيا في رأس القائمة التي تضم تلك القوى، وما هو حاصل حالياً هو أن نهج دونالد ترامب الذي يستهدف إيران يقوم بشكل أساسي على ضرب إيران من الداخل.

 وفي هذا السياق جاءت تصريحات ترامب التي أعلن فيها إمكان إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الموقع في تموز 2015 أو التوافق على إجراء تعديلات عليه، وكلا الحالين من شأنه أن يؤدي إلى صعود القوى الإيرانية المتطرفة وصولاً إلى إمساكها بالسلطة في طهران انطلاقاً من فشل الإصلاحيين في مد الجسور مع الغرب على الرغم من أن هذا العمل الأخير كان على رأس اهتمامات هؤلاء، وهم لم يألوا جهداً في سبيله إلا وقاموا به.

تبقى هناك مسألة مهمة هي أن استهداف إيران يحتاج إلى تفاهم روسي أميركي عالي المستوى أو بمعنى آخر، أن تذهب موسكو إلى بيع حليفها الإيراني، وهو أمر على الرغم من أنه ممكن ولا يعتبر من المحرمات، إلا أنه يتطلب حصول موسكو على تنازلات كبرى من الأميركيين، الأمر الذي يستحيل تقديمه الآن وسط المناخات التي تسود الشارع الأميركي وفي الذروة منها تلك التي تفرضها شرائح واسعة من الأميركيين المغالين في اتهام ترامب بأنه رجل روسيا في أميركا، حيث من شأن تلك المناخات أن تكبل الرئيس الأميركي أو تكبح جموحه الواضح تجاه موسكو وتفرض عليه إظهار التصلب في مواجهة الروس، ولربما كان هذا ما تريده المؤسسة الحاكمة الأميركية عندما قررت الذهاب بعيداً في توجيه الاتهامات إلى ترامب بغية إفهامه بأنه بات في دائرة الهدف ولربما، إن استدعى الأمر ذلك، تتصاعد تلك الاتهامات لتشكل نموذجاً لفضيحة قد تسمى «ترامب غيت».

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً