"واشنطن بوست": إيران ليست في عجلة للانتقام من الولايات المتحدة

في الوقت الذي يستعد فيه الشرق الأوسط لمعرفة طبيعة الرد وشكله، خوفاً من أي خطوة خاطئة من أي جانب، بدأت التلميحات تظهر أن طهران ليست في عجلة من أمرها لإحداث "الانتقام القاسي" الذي وعد به المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي.

  • "واشنطن بوست": إيران ليست في عجلة للانتقام من الولايات المتحدة
    "واشنطن بوست": قيام إيران بالانتقام ليس محل شك

كتبت مراسلة صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في بيروت ليز سلاي تحليلاً حول الانتقام الإيراني المنتظر رداً على الاغتيال الأميركي لقائد قوة القدس في حرس الثورة الإيراني الفريق قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

وقالت سلاي إنه في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشدد العقوبات والتهديدات ضد إيران خلال الأشهر الثمانية الماضية، كانت طهران تعمل على افتراض أنه لن يجرؤ على المجازفة بحرب شاملة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

ورأت الكاتبة أن الغارة الأميركية الجوية بطائرة بدون طيار والتي أنهت حياة اللواء قاسم سليماني، المهندس الإستراتيجي والمنفذ الرئيسي لهذه الإستراتيجية الإيرانية، قد فجرت هذا الحساب، وخلقت معضلة جديدة مذهلة لقادة إيران وهم يبحثون عن طرق للانتقام – من دون استفادتهم من عقلهم الاستراتيجي الرئيسي، في إشارة إلى الفريق سليماني.

يقول المحللون إن قيام إيران بالانتقام ليس محل شك، بل إن عدم القيام بذلك سيكون علامة على الضعف قد تعرض للخطر التأثير الهائل الذي اكتسبته إيران في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية.

وتنقل الكاتبة عن كامل وزني، المحلل السياسي المقيم في بيروت، قوله إن مقتل سليماني أدى إلى تآكل الردع الذي تعتقد إيران أنها أقامته بحملة من الهجمات على الملاحة في الخليج وضربات الصواريخ على قواعد في العراق. وقال إنه من وجهة نظر إيران أصبح من الضروري الآن استعادة ذلك. وقال "على إيران أن ترد، وسيكون رداً لاستعادة الردع الذي غيبه هذا الاغتيال".

ولكن وزني يعتقد هو وغيره من المحللين أيضًا أن إيران ليست لديها أي رغبة في شنّ حرب واسعة النطاق مع الولايات المتحدة من شأنها أن تستنفد مواردها المالية المحفوفة بالمخاطر بالفعل ويجعلها تتفوق بشدة عليها.

يقول المحللون إن على إيران أن تقيس ردها - وتتسبب في إلحاق ضرر كافٍ بالولايات المتحدة بحيث يُنظر إلى الرد على أنه انتقام لمقتل سليماني من دون التعجيل بنشوب حرب شاملة.

تقول الكاتبة في "واشنطن بوست": السؤال هو كيف ذلك؟

تجيب أنه في الوقت الذي يستعد فيه الشرق الأوسط للإجابة، خوفاً من أي خطوة خاطئة من أي جانب، بدأت التلميحات تظهر أن طهران ليست في عجلة من أمرها لإحداث "الانتقام القاسي" الذي وعد به المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي.

وقد أكد القادة الإيرانيون خلال رثائهم ومديحهم للفريق سليماني على "الصبر" بقدر تأكيدهم على الانتقام. واقترح المسؤولون العسكريون الإيرانيون أن الحلفاء الإقليميين لإيران، بدلاً من إيران نفسها، سيتم تكليفهم بالرد، تتابع الصحيفة.

وتستشهد الكاتبة بقول العميد أبو الفضل شكارشي المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية لوكالة مهر الإيرانية للأنباء يوم السبت: "إن جمهورية إيران الإسلامية ترفض اتخاذ أي إجراء عاطفي وعاجل". وأضاف "سنضع خطة، بصبر، للرد على هذا العمل الإرهابي بطريقة ساحقة وقوية. نحن الذين نحدد وقت ومكان ردنا."

وقالت الكاتبة الأميركية إنه ظهرت بالفعل رواية بين المعلقين والمسؤولين الإيرانيين مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى جر إيران إلى حرب وأن إيران يجب ألا تقع في الفخ.

وتنقل عن العميد علي فدوي قوله للتلفزيون الإيراني الحكومي "إنه على الرغم من أن سليماني كان القائد الأعلى لأقوى فرع لحرس الثورة الإيراني، فقد لا تكون إيران هي التي ترد". وقال "إن الجبهة العظيمة للمقاومة مستعدة جغرافياً لتنفيذ هذا الانتقام القاسي"، في إشارة إلى الشبكة الأوسع لقوات حلفاء إيران، مثل حزب الله اللبناني، المعروفة في الأوساط الإيرانية باسم "محور المقاومة".

تقول سلاي "إن امتلاك إيران الكثير من الخيارات ليس موضع شك. فمن خلال دوره كقائد لقوة القدس - جناح حرس الثورة الإسلامي القوي المكلف بتصدير الإيديولوجية الثورية الإيرانية - بنى سليماني شبكة من الميليشيات الموالية في العراق وسوريا ولبنان واليمن يمكن استدعاؤها لحماية طهران من التورط المباشر في الهجمات على الولايات المتحدة أو أهداف لحلفائها".

وتشير الكاتبة إلى إعلان تنظيم "أنصار الله" في اليمن مسؤوليتهم عن هجوم كبير على منشآت النفط السعودية أرامكو في أيلول/سبتمبر الماضي، على الرغم من أن الحكومة الأميركية قد أكدت أن الهجمات الصاروخية شُنت من إيران.

وفي العراق، يتهم المسؤولون العسكريون الأميركيون "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران بتنفيذ سلسلة من الهجمات الصاروخية على القواعد العسكرية العراقية حيث توجد القوات الأميركية، والتي تسبب أحدها في مقتل متعاقد أميركي في أواخر الشهر الماضي، مما أدى إلى تصعيد غير متوقع وبلغت ذروته في اغتيال سليماني.

ويوم السبت، حذر ترامب إيران من أن أي ضربات ضد "الأميركيين أو الأصول الأميركية" ستؤدي إلى انتقام أميركي ضد 52 هدفاً إيرانياً غير محدد - "تمثل الرهائن الأميركيين الـ52" الذين احتجزوا في السفارة الأميركية السابقة في طهران بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

في السنوات الماضية، نسف حلفاء إيران السفارات الأميركية وخطفوا مواطنين أميركيين، وطردوا القوات والدبلوماسيين الأميركيين من لبنان في ثمانينيات القرن العشرين ودفعوا لصعود حركة حزب الله المتحالفة مع إيران هناك، تضيف سلاي.

وتنقل عن رياض قهوجي، الذي يرأس مؤسسة إنيغما للاستشارات الدفاعية في دبي، قوله إن لدى إيران مجموعة من الخيارات التي يمكن لها أو لحلفائها اللجوء إليها، وهي تشمل تجدد الهجمات على الملاحة في الخليج الفارسي، وضربات ضد القواعد العسكرية الأميركية أو قواعد المتحالفين معها في جميع أنحاء المنطقة، واستهداف السفارات الأميركية بتفجيرات ومحاولات لاغتيال أو لاختطاف مسؤولين أميركيين.

لكن ما زال من غير الواضح ما الذي يمكن أن تفعله إيران بما يتجاوز الهجمات التي نفذتها بالفعل من دون إثارة تصعيد أكبر.

لماذا يختلف مقتل سليماني عن الهجمات الأخرى التي شنتها الولايات المتحدة؟

تزعم سلاي أنه منذ أيار/مايو الماضي، تضايق إيران السفن وتطلق الصواريخ على القوات الأميركية في العراق كجزء من استراتيجية كان يشرف عليها الفريق سليماني لمعاقبة الولايات المتحدة على انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني وفرض عقوبات اقتصادية قاسية دمرت الاقتصاد الإيراني.

وتقول الكاتبة إن تغريدات ترامب المتعددة الساخرة من "حروب لا نهاية لها" في الشرق الأوسط، وسحبه المفاجئ للقوات من سوريا، وتراجعه في اللحظة الأخيرة عن تهديد بالرد لإسقاط طائرة أميركية بدون طيار، كلها عوامل أثارت الثقة في طهران بأن إيران يمكن أن تلعب على نفور ترامب من الحرب من خلال هجمات صغيرة نسبياً وربما إضعاف عزمه.

لكن ما الذي يمكن لإيران أن تفعله و"لم تفعل بالفعل؟"، تسأل رشا العائدي، التي تقوم برئاسة تحرير النشرة الإخبارية العراقية "إرفع صوتكّ، في تغريدة. "خطف الأجانب؟ ضرب القواعد العسكرية؟ تفجير السفارات؟ محاولات اغتيال؟ استهداف المصالح الخليجية النفطية؟ إرسال ميليشيات لقمع الخصوم؟"

وتنقل الكاتبة عن حنين غدار، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قولها إن إيران تواجه قيوداً على مساحتها للمناورة في العديد من تلك الأماكن. إن نطاق نفوذها واسع النطاق لدرجة أن حلفاءها أصبحوا مكوِّنين أساسيين للحكومتين في العراق ولبنان، مما جعل إيران هدفاً لاحتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومتين في الأشهر الأخيرة.

وقالت غدار "لا تستطيع إيران خوض الحرب في المنطقة. في العراق، أصبحت خياراتهم محدودة للغاية لأن أي تصعيد في العراق يعرضهم لمزيد من الهجمات من قبل الولايات المتحدة. في لبنان سيكون الأمر صعباً بسبب الأزمة المالية. لا يمكنهم تمويل حرب في لبنان أو في أي مكان آخر".

ويقول محللون إن الساحة الأكثر احتمالاً للتصعيد هي في العراق، حيث بدأت دوامة المواجهة وحيث قُتل الفريق سليماني. تشير الصواريخ التي أطلقت يوم السبت على المنطقة الخضراء في بغداد وعلى قاعدة بلد الجوية، حيث توجد القوات الأميركية، إلى أن إيران تعتزم مواصلة الضغط في العراق.

أثار مقتل سليماني على الأراضي العراقية والغارات الجوية التي وقعت يوم الأحد الماضي والتي أودت بحياة 25 من عناصر "كتائب حزب الله"، دعوات لطرد القوات الأميركية من العراق. ويوم السبت، قال الجيش العراقي إنه سيفرض قيوداً جديدة على 5000 جندي أميركي في العراق قدموا للمساعدة في القتال ضد تنظيم "داعش".

وتنقل الكاتبة عن مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت قولها: "إحساسي أننا سنرى تصعيداً في العراق. لكنني لا أعتقد أن الإيرانيين يريدون حقاً حرباً مع الولايات المتحدة. لا أعتقد أنهم مهتمون بصراع إقليمي شامل. المشكلة هي أن كل ما يتطلبه الأمر هو خطأ بسيط واحد وستغرق المنطقة بأكملها."

 

ترجمة: هيثم مزاحم - الميادين نت

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً