"التايم": ما هي أسباب انقسام أميركا؟

يمكن للقاحات أن تقضي على الأوبئة في النهاية، لكن ليس هناك لقاح للانقسامات السياسيّة الأميركيّة.

  • نصب السلام التذكاري في مبنى الكابيتول الأميركي من خلف السياج - 17 يناير 2021 (أ.ف.ب)
    نصب السلام التذكاري في مبنى الكابيتول الأميركي من خلف السياج - 17 يناير 2021 (أ.ف.ب)

تتناول مجلة "التايم" الأميركيّة في مقال للكاتب "إيان بريمر"، الانقسامات السياسيّة الأميركيّة الأساسيّة التي تتنوّع بين العرق والرأسماليّة والمشهد الإعلامي، والتي فتحت الطريق منذ عقود لوقوع أحداث الشغب الأخيرة في الكابيتول. فيما يلي ترجمة نص المقال: 

لا توجد ديمقراطية صناعيّة متقدمة في العالم أكثر انقساماً سياسياً، أو مختلة سياسياً، من الولايات المتحدة اليوم.

كيف وصلت أقوى دولة في العالم إلى هذه النقطة؟. لم تكن أعمال الشغب في "الكابيتول" قيد الاعداد لسنوات، بل لعقود. هذا بسبب ثلاث سمات مميزة للمجتمع الأميركي تمّ تجاهلها من قبل السياسيين الأميركيين لفترة طويلة جداً: الإرث الدائم للعرق، والطبيعة المتغيرة للرأسمالية، وانقسام مشهدنا الإعلامي الجماعي.

الإرث الدائم للعرق

الولايات المتحدة ليست فريدة من نوعها في وجود تاريخ مضطرب مع العلاقات بين الأعراق. لكنها كانت بطيئة بشكل خاص في معالجة الإرث الهيكلي لتلك العنصرية، فقد استغرق الأمر ما يقرب من قرن بعد نهاية الحرب الأهليّة لإقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964، على سبيل المثال لا الحصر. وقد تمّ اتخاذ خطوات في العقود الأخيرة للبدء في معالجة هذا الإرث بشكل جديّ، من قوانين مناهضة التمييز إلى جهود العمل الإيجابي، التي عملت على جلب الأميركيين السود نحو المزيد من التوازن، بل ومهدت الطريق أمام الولايات المتحدة لانتخاب أول رئيس أسود لها. ولكن كما أظهرت احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" في الصيف الماضي، لا يزال هناك الكثير من العمل غير المكتمل.

وهذا جزء فقط من القصة. الجزء الآخر هو رد الفعل العنيف، حيث ترى مجموعة من الأميركيين البيض، أن وضعهم في المجتمع مهدد نتيجة للتركيبة السكانيّة والحسابات العرقيّة الأخيرة. وقد تجلى ذلك في السياسة، وكذلك في العنف الذي شهدناه في الكابيتول. في حين أن هذا القلق له عناصر اقتصاديّة، فمن الأفضل فهمه من حيث الهويّة الأوسع. وصلت مشاعر الاستياء هذه إلى ذروتها خلال حكم ترامب، وبلغت ذروتها في أعمال الشغب المميتة الأسبوع الماضي.

لكي نكون واضحين، الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي يتعيّن عليها التعامل مع عناصر العنصريّة في حركاتها الشعبويّة - يمكن للعديد من الدول الأوروبيّة أن تشهد على ذلك. ولكن نظراً للطريقة الهيكليّة التي تمّ بها نسج العنصريّة في نسيج البلاد جنباً إلى جنب مع سنوات من إهمال المشكلة، فقد ساهمت العلاقات العرقيّة بقوّة في الوضع الحالي للشؤون السياسيّة الأميركيّة.

الطبيعة المتطوّرة للرأسماليّة

الرأسماليّة والنمو الاقتصادي الذي قادته، هو ما جعل الولايات المتحدة القوة العظمى البارزة في العالم. ولّدت روح المبادرة في الرأسماليّة على النمط الأميركي خاصةً، أنواع الابتكارات والنمو التي تمّ تصديرها حول العالم، بمساعدة العولمة. إن إيمان أميركا الراسخ بالرأسماليّة، وتحديداً قوّة الفرد، هو السبب الذي دفع أجيالاً من المهاجرين إلى شق طريقهم إليها، لمنح أحلامهم أفضل فرصة للنجاح. وهذا أيضاً سبب كون الدولة اليوم موطناً للشركات - وخاصة شركات التكنولوجيا - التي تعمل على دعم عالمنا الحديث (على الأقل في الغرب).

لكن هناك جانب آخر للرأسماليّة على الطريقة الأميركيّة. النظام الاقتصادي الرأسمالي الفردي، ولدّ كميّات هائلة من الثروة، لكنه أدى أيضاً إلى وجود عامل أميركي متوسط، ​​لديه قدر أقل من شبكة الأمان الاجتماعي (خاصة بالمقارنة مع نظرائه الأوروبيين)، ناهيك نظام سياسي أكثر عرضة للاستيلاء عليه من قبل المصالح الخاصة الممولة.

هذا ليس واقعاً جديداً ظهر فجأة مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض. ومع ذلك، في حين أن الرأسمالية الأميركيّة سمحت منذ فترة طويلة بعدم المساواة في النتائج، فقد شهدنا بشكل متزايد في الثلاثين عاماً الماضية ارتفاعاً في عدم تكافؤ الفرص أيضاً.

وهذا الشكل الأخير أكثر تدميراً - عندما يشعر الناس أنهم لم يحصلوا حتى على فرصة للمنافسة، ناهيك عن النجاح، فإنهم يغضبون.

قبل 30 عاماً، عندما تحدثنا عن أولئك الذين خسروا من الرأسماليّة، كنا نشير عادةً إلى مجموعة محددة من العمال ذوي الياقات الزرقاء التي خلفتها التجارة الحرة (في عالم معولم، يكون العمال الأميركيّون الذين يكسبون أكثر من المتوسط ​​العالمي، أقل جاذبية للتوظيف). لكننا الآن نصل إلى النقطة التي تبحث فيها الأتمتة والذكاء الاصطناعي ببطء عن إزاحة مجموعة أوسع بكثير من العمال. 

صعود سياسيين مثل بيرني ساندرز، هو أيضاً مصدر قلق كبير للناخبين على الجانب الأيسر من الطيف السياسي كما هو الحال في اليمين. والنتيجة النهائية هي أن جمهور الناخبين أكثر انقساماً اليوم، يغذيه الخوف حول كيفيّة بقائه على قيد الحياة في المستقبل الأميركي.

انقسام المشهد الإعلامي الجماعي

  • متظاهر مؤيد لترامب يلتقط صورة لمتظاهرين آخرين تسلقوا منصة إعلامية بعد أن اخترقوا الحواجز في مبنى الكابيتول - 6 يناير 2021 (أ.ف.ب)
    متظاهر مؤيد لترامب يلتقط صورة لمتظاهرين آخرين تسلقوا منصة إعلامية بعد أن اخترقوا الحواجز في مبنى الكابيتول - 6 يناير 2021 (أ.ف.ب)

أحدثت شركات التكنولوجيا التي تشغل عالمنا الحديث، ثورة في استهلاكنا لوسائل الإعلام، ويسارع الكثيرون إلى توجيه أصابع الاتهام إلى شركات التكنولوجيا لتفكيك المشهد الإعلامي لدينا. وصلت سرعة التكنولوجيا إلى درجة أننا رأينا الانقسام يحدث بشكل أسرع بكثير مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن العنصر التخريبي الذي أدخلته شركات التكنولوجيا هو الخوارزميات - المصممة بنشاط لجذب المزيد من عائدات الإعلانات والاهتمام، وغالباً ما يتمّ تحقيقها عن طريق الترويج للمحتوى المتطرف والمضلل. وقد جاء ذلك على حساب مواطن سليم ومستنير.

مقارنةً بالدول في أوروبا حيث تواجه منصات التكنولوجيا تشريعات حكوميّة أكثر صرامة ويجب أن تتحمل المزيد من المسؤولية عن المحتوى المنشور، فإن الولايات المتحدة لديها مشكلة معيّنة نظراً لميلها لأن تكون أخف في تنظيم القطاع الخاص. لكن حكومة الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الجلوس على الهامش لفترة أطول نظراً للتطورات الأخيرة.

رغم الكثير من الهتافات الداعمة لقرار "تويتر" و"فيسبوك" إلغاء حسابات ترامب في أعقاب أعمال الشغب في الكابيتول، فإن ذلك يفتح أسئلة جادة حول من لديه الحق الديمقراطي في الحد من كلام الآخرين؟. سيتعيّن على السياسيين الأميركيين خوض ذلك، خشية أن يتنازلوا بشكل فعال عن هذه السلطة لرؤساء تنفيذيين تقنيين غير منتخبين، وهي وصفة لكارثة من نوع آخر.

هناك عوامل أخرى تساهم في الانقسامات السياسيّة الأميركيّة اليوم، ولكن هذه العوامل الثلاث، هي الأكثر هيكليّة وأهمية. والأمر الأكثر إثارة للقلق، بغض النظر عمّا يحدث مع جهود العزل الأخيرة لترامب، من المقرر أن تزداد هذه الاتجاهات الثلاثة قوّة على المدى القريب. وفي ظل غياب المزيد من الجهود الجادة عبر الطيف السياسي للتعامل مع هذه القضايا، وإجراء التسويات السياسيّة اللازمة لمعالجتها حقاً، ستزداد هذه المشكلات سوءاً.

يواجه جو بايدن العديد من التحديات عندما يتولى منصبه. وعلى الرغم من أن معالجة الوباء قد يكون التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة له، إلا أنه ليس الأكثر صعوبة. يمكن للقاحات أن تقضي على الأوبئة في النهاية، لكن ليس لدينا لقاح لانقساماتنا السياسيّة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً