ما يرد من حلب.. بروباغندا لا أخبار

ليس من الخطأ أو المفاجئ أن تشوّه المعارضة السورية صورة أعدائها أو تخفي الأخبار السلبية عنها. المعارضة العراقية قامت بالأمر عينه في 2003 وكذلك المعارضة الليبية في 2011. لكن وسائل الإعلام الغربية تتحمل مسؤولية تحوّلها إلى أداة بروباغندا لمصلحة طرف واحد في هذا الصراع القاسي. لقد قامت بذلك عن طريق وسم هذه البروباغندا بالمعلومات الحقيقية التي لا يمكن التحقق منها.

نقل الإعلام المقابلات عبر السكايب من شرق حلب كما لو أنها من كوبنهاغن أو أدنبرة
أن تكون مراسلاً أجنبياً تغطي الحرب الأهلية في سوريا أصبح أكثر خطورة لأن الجهاديين الذين يمسكون بزمام السلطة في شرق حلب كانوا قادرين على استبعاد الصحفيين الذين سيتعرضون للخطف أو القتل في حال ذهابهم إلى هناك، واستبدالهم بنشطاء محليين محازبين لهم لا يمكن أن ينكروا أنهم تحت السيطرة الجهادية.

لقد سمحت وسائل الإعلام الأجنبية، إما عن سذاجة أو لمصلحة ذاتية، للأشخاص الذين لا يمكن أن يعملوا إلا بإذن من المجموعات التابعة للقاعدة مثل جبهة النصرة وأحرار الشام، أن يسيطروا على أجندتها الإخبارية.

لقد كرّست حلب سابقة بأن يكون لدى المشاركين في أي صراع مستقبلي مصلحة في ردع الصحافيين الأجانب الذين ينقلون الوقائع بموضوعية. من خلال اختطافهم وقتلهم من السهل خلق فراغ في المعلومات المطلوبة والتي سيزودنا بها في المستقبل مخبرون متعاطفون أو تحت رحمة نفس الأشخاص الذين استبعدوا الصحفيين الأجانب (الجهاديون في حالة شرق حلب). قتل أو اختطاف هؤلاء أصبح بمثابة خطوة ذكية من قبل الجهاديين لأنها تسمح لهم بالسيطرة على الأخبار التي تصل إلى العالم الخارجي. إنها أخبار سيئة لأي صحفي مستقل يدخل إلى مناطقهم ويهدد احتكارهم للمعلومات.    

لطالما كان هناك تناقض صارخ في صلب موقف الإعلام العالمي: من جهة كان مستحيلاً دخول الصحفيين الأجانب إلى مناطق سيطرة المعارضة لخطورة ذلك، لكن في الوقت نفسه كان يسمح للناشطين على ما يبدو بالعمل بحرية من قبل أكثر الحركات عنفاً وأقلها رحمة على الأرض.  

كان التهديد للمراسلين الغربيين حقيقياً جداً: جايمس فولي تمّ ذبحه في 8 آب/ أغسطس 2014 وبعده بأيام قليلة كان دور ستيفن سوتلوف، علماً أنه قبل ذلك بوقت طويل كان الصحفيون الأجانب الذين دخلوا مناطق سيطرة المتمردين في خطر كبير.  
لكن التهديد الأكبر كان للأشخاص المحليين الذين يعيشون تحت سيطرة المسلحين والذين انتقدوا تصرفاتهم وأفكارهم. هذا الأمر أوضحه تقرير لمنظمة العفو الدولية "أمنستي" نشر في تموز/ يوليو هذا العام تحت عنوان "التعذيب كان عقابي"، وفيه يقول فيليب لوثر مدير برنامج الشرق الأوسط وأفريقيا في المنظمة إن المدنيين في هذه المناطق يشعرون بالخوف باستمرار من إمكانية اختطافهم في حال انتقدوا سلوك الجماعات المسلّحة المسيطرة أو لم يلتزموا بالقواعد الصارمة التي فرضها البعض.
وفق التقرير فإن أي صحفيين وناشطين مستقلين حقاً هم عرضة للاستهداف. يقول عيسى ناشط إعلامي يبلغ من العمر 24 عاماً متحدثاً عن جبهة النصرة (التي أطلقت على نفسها تسمية جبهة فتح الشام وكانت الفرع الرسمي للقاعدة في سوريا) "إنهم يسيطرون على ما نستطيع وما لا نستطيع قوله. إما أم تقبل قواعدهم الاجتماعية وسياساتهم أو تختفي".
ما يلي عملية الاختطاف أوضحه ناشط سياسي يدعى ابراهيم نظّم في 2015 تظاهرة سلمية دعماً للانتفاضة في 2011. مثل هذا التصرف المستقل كان غير مقبول بالنسبة لجبهة النصرة التي قامت باختطافه. يقول "تم أخذي إلى غرفة تعذيب. تم تعليقي بالسقف بحيث لم تكن قدماي تطال الأرض وبدأوا بضربي بواسطة كابلات على كل أنحاء جسدي. وبعدها بدأوا بتقنية الإطار المطاطي، حيث أجبروني على دخوله وبدأوا بضربي بالعصي الخشبية.

باسل محام في إدلب قال "لقد كنت سعيداً بتحرري من الحكم غير العادل للحكومة السورية. الآن الوضع أكثر سوءاً". بعد انتقاده النصرة على فايسبوك جرى اعتقاله مباشرة. تقول أمنستي إن جماعات المعارضة المسلّحة الرئيسية تتساوى في شدّة تعاملها مع كل من يخالفها الرأي.
مرّت فترة بين 2011 و2012 عمل فيها ناشطون معارضون مستقلون من داخل سوريا لكن مع سيطرة الجهاديين أجبر هؤلاء الأشخاص إما على الهروب أو التزام الصمت أو قتلوا.
في آب/ أغسطس 2013 ظهرت في برنامج تلفزيون مع رزان زيتونة، محامية معروفة في مجال حقوق الإنسان ومؤسسة مركز توثيق الانتهاكات الذي يسجل الجرائم والأعمال الوحشية. كانت رزان تتحدث عبر سكايب من معقل المعارضة في دوما شمال شرق دمشق حيث كنت قبل عام قبل أن تصبح زيارتها خطيرة جداً بالنسبة لي.    
كانت زيتونة تصف الهجوم بغاز السارين الذي قتل العديد من الأشخاص في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دمشق وترفض تحميل مسؤولية الهجوم للحكومة السورية. كانت مؤيدة للمعارضة السورية غير الجهادية لكنها انتقدت أيضاً جيش الإسلام الذي كان يسيطر على دوما. في 8 كانون الأول/ ديسمبر اقتحم مسلّح مكتبها وخطفها مع ابنها وائل حمادة واثنين من ناشطي المجتمع المدني هما المحامية سميرة الخليلي والشاعر ناظم الحمادي. منذ ذلك الوقت أي من هؤلاء الأربعة لم يشاهد ومن المرجح أن يكونوا قتلوا.   

كان من السهل على وسائل الإعلام العالمية أن تبث الفيديوهات والمقابلات عبر السكايب من شرق حلب كما لو أنها من كوبنهاغن أو أدنبرة. القيام بخلاف ذلك كان سيلحق الضرر بمصداقية المشهد المرسوم والمقنع الذي يظهر فيه المتحدثون خائفين، لسبب وجيه، بسبب أصوات إطلاق النار والقذائف.  
لا شيء من هذا قد يكون بالضرورة وهمياً لكن هناك العديد من الأمور التي تم تجاهلها. فلا إشارة إلى المقاتلين المسلحين الذين قدرت الأمم المتحدة عددهم بثمانية إلى عشرة آلاف في شرق حلب. في الواقع لا أذكر رؤية شخص مسلّح أو في موقع محصّن في أي من هذه الأفلام التي تدمي القلب. الأشخاص الذين ظهروا في حلب هم فقط مدنيون عزل في تناقض تام مع الموصل حيث تحارب القوات العراقية آلاف المقاتلين من داعش الذين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية.

سيكون من السذاجة الاعتقاد أن كل هذه العلاقات العامة الجذابة والمهنية للمعارضة السورية من صنعها هي. فالحكومات الغربية تلعب دوراً في تمويل وتدريب متخصصين في مجال الإعلام تابعين للمعارضة. أحد الصحافيين في بيروت أخبرني كيف عرض عليه مبلغ 17 ألف دولار شهرياً للعمل لصالح مشروع علاقات عامة للمعارضة تدعمه الحكومة البريطانية.  
إن لسيطرة البروباغندا على الأخبار في تغطية الحرب في سوريا عواقب سلبية. إنها حرب أهلية حقيقية والتركيز حصرياً على الفظائع التي ارتكبتها القوات المسلحة السورية بحق المدنيين العزل يعطي صورة مشوّهة عما يحصل. هذه الأعمال الوحشية غالباً ما تكون حقيقية والأمم المتحدة تقول إن 82 مدنياً أعدموا في شرق حلب الشهر الماضي. لكن بالرغم من مدى سوء الأمر، إلا أنه من المبالغة مقارنة ما يجري في حلب بالإبادة في رواندا عام 1994 أو مجزرة سريبرينيتشا في العام الذي تلاه.
ليس من الخطأ أو المفاجئ أن تشوّه المعارضة السورية صورة أعدائها أو تخفي الأخبار السلبية عنها. المعارضة العراقية قامت بالأمر عينه في 2003 وكذلك المعارضة الليبية في 2011. لكن وسائل الإعلام الغربية تتحمل مسؤولية تحوّلها إلى أداة بروباغندا لمصلحة طرف واحد في هذا الصراع القاسي. لقد قامت بذلك عن طريق وسمها هذه البروباغندا بالمعلومات الحقيقية التي لا يمكن التحقق منها، والتي تصدر من أشخاص يعيشون تحت سيطرة الجماعات الجهادية التي تعذب وتقتل أي ناقد لها أو منشق عنها.
وانتهى الأمر بالمؤسسات الإعلامية تتغذى من قبل الجهاديين والمتعاطفين معهم الذين يجعلون زيارة المراقبين المستقلين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم أمراً مستحيلاً. من خلال تكرارها المعلومات عن هذه المصادر غير الموثوقة تمنح وسائل الإعلام الجماعات من النوع الشبيه بالقاعدة حافزاً للاستمرار بقتل واختطاف الصحافيين من أجل خلق فراغ في الأخبار والاستفادة منه عبر ملئه بأنفسهم.   

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً