المستشفى الأميركي في غزة: الترياق أم السم؟

منتدى التفكير الإقليمي الإسرائيلي يقول إنّ إقامة المستشفى الأميركي في شمال قطاع غزة يشكّل قضية ملتهبة تحاول كل الفصائل في القطاع، باستثناء حماس، التنصل من مسؤولية إقامته. فلماذا تثير إقامة هذا المستشفى العديد من المخاوف؟

  • المستشفى الأميركي المقام في شمال قطاع غزة

منتدى التفكير الإقليمي الإسرائيلي يتناول مقالاً حول المخاوف من إقامة مستشفى أميركي شمال قطاع غزة، فيما يلي ترجمته الكاملة:

في الوقت الذي يجري فيه داخل قطاع غزة نقاش صاخب حول "التسوية" والتفاهمات والتهدئة "طويلة المدى"، وما إلى هنالك من المسميات التي يحاول المتحدثون إيجادها ليفسروا من خلالها الاتصالات الدائرة على محور مصر-إسرائيل-حماس، تبرز بشكل خاص قضية المستشفى الأميركي المقام في شمال قطاع غزة، بالقرب من معبر إيرز. إذ تشكل إقامة هذا المستشفى قضية ملتهبة تحاول كل الفصائل في القطاع، باستثناء حماس، التنصل من مسؤولية إقامته، والذي تحذر قيادة فتح في رام الله من التداعيات التي سيتركها.

يدور الحديث هنا عن مستشفى ميداني كانت قد أقامته منظمة خيرية أميركية اسمها FRIEND-SHIPS على الحدود السورية الإسرائيلية. وكان هذا المستشفى قد قدم الخدمات الطبية للجرحى الذين كانوا بحاجة للعلاج في مناطق المعارك هناك. وفي الآونة الأخيرة تم تفكيكه ونقله إلى القطاع بتمويل قطري وبموافقة إسرائيلية. ويقيم هذا المستشفى طاقم من المهندسين الأميركيين، كما أنه من المقرر أن يشغله طاقم طبي أميركي والذي سيُحضر العتاد الطبي والأدوات الأخرى المطلوبة لتشغيله. ووفق الخطة فإن هذا المستشفى سيقوم، بشكل رئيسي، بمعالجة مرضى السرطان والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة.    

هناك العديد من القضايا التي يطرحها المنتقدون مثل: من أفسح المجال أمام دخول المستشفى "العسكري"، "الأميركي"، ومن خصص له قطعة الأرض، ومن حدد موقعه. وللوهلة الأولى يبدو أن هذا الأمر يجب ألا يثير ردوداً ناقدة إلى هذه الدرجة، خاصة وأنه تعمل في مختلف أرجاء قطاع غزة الكثير من الجماعات والمنظمات غير الحكومية (NGO)، بما فيها منظمات أميركية، تقدم العون الإنساني للاحتياجات المتزايدة للمواطنين في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة. إلا أن الدمج بين الفتور الذي تبديه حركة حماس حيال هذه الانتقادات وحقيقة أن المهندسين الأميركيين التابعين للمنظمة (FRIEND-SHIPS) موجودون منذ فترة في الموقع ويعملون على إقامة المستشفى، وبين التسارع في الاتصالات الجارية حول "التسوية"، كل ذلك يثير المخاوف من أن هذا هو بداية عملية أوسع بكثير.   

حل مؤقت أم موقع استخباري أميركي؟

ويوجه المسؤولون في السلطة الفلسطينية النقد إلى منح الترخيص للتواجد الأميركي في القطاع، إذ سيتضح بسرعة، حسب قولهم، أنه يشكل موقعاً عسكرياً استخبارياً أميركياً. وبحسب أقوالهم فإن ذلك يلحق الضرر بالوحدة الوطنية الفلسطينية وبوحدانية التمثيل لمنظمة التحرير الفلسطينية. وحتى أن أبو مازن قد أعلن أنه لن يسمح لهذا المشروع الأميركي، وغيره من المشاريع التي طُرحت على جدول الأعمال في الآونة الأخيرة، مثل الجزيرة الصناعية قبالة شواطئ غزة، أن يُنفَّذ. كما سارع رئيس الحكومة الفلسطينية محمد أشتية بالإعلان أن حكومته تجري اتصالات مع تركيا لتشغيل المستشفى التركي في القطاع، والذي انتهت إقامته عام 2017 إلا أنه لم يتم تشغيله بسبب مشاكل في التمويل وخشية السلطة الفلسطينية من أن يشكل بؤرة أخرى لحماس. وأوضحت وزيرة الصحة الفلسطينية مي الكيلة أن كل المستشفيات في الضفة الغربية والقدس الشرقية مفتوحة أمام المواطنين من قطاع غزة، وأنه ليست هناك أي حاجة لمستشفى جديد يخصص مسبقاً لمعالجة مشاكل طبية خاصة. وبحسب أقوالها فإنه بدلاً من إقامة مستشفى في قطاع غزة فإن كل ما كان يجب على الولايات المتحدة الأميركية فعله هو أن تتراجع عن تخفيض مساعداتها المخصصة للأونروا وللمستشفيات في السلطة الفلسطينية.    

من جانبها، حركة حماس أوضحت مع بدء الخلاف أن إقامة المستشفى هي قسم من التفاهمات التي تم تحقيقها بين كل الفصائل وبين إسرائيل عن طريق مصر والأمم المتحدة، وأن الحديث يدور عن إقامة مبنى مؤقت يمكن إزالته في أي وقت. صحيح أنه مقام على يد منظمة أميركية إلا أنه لا علاقة لها مع واضعي السياسة في الولايات المتحدة الأميركية، ولذلك فإن الحديث عن أية علاقة بين ذلك وبين صفقة القرن هو أمر لا أساس له من الصحة. وتدعي حماس أن إقامة المستشفى إنما هو أمر ضروري في ظل عدم قدرة المستشفيات داخل القطاع على توفير الحلول لكل المشاكل الطبية، ولأن رام الله تخفض عدد التراخيص الممنوحة للمرضى الذين يحتاجون للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية أو في الضفة الغربية. أما بالنسبة للمخاوف المرتبطة بالتهديد العسكري والاستخباري الذي يثيره تشغيل المستشفى فقد حاولت حركة حماس تخفيفها وذلك عن طريق التوضيح بأنها ستراقب وتتابع الداخلين إليه والخارجين منه.    

وسارعت الفصائل الأخرى، التي تحافظ على عضويتها في منظمة التحرير الفلسطينية، إلى التنصل من المسؤولية عن إقامة المستشفى وعن التفاهمات الآخذة في التبلور مع إسرائيل لجهة التهدئة ومدتها الزمنية. وفي الجبهة الديمقراطية أضافوا إلى ذلك أنهم متمسكون بتفاهمات 2014 التي تركز على موضوع وقف إطلاق النار مقابل تسهيلات في الحصار فقط. بينما قالوا في الجبهة الشعبية إنه لا توجد لهم أية علاقة بموضوع المستشفى، وأنهم يعارضون أي "تهدئة" أو "هدنة" طويلة المدى. وفي مقابل ذلك، فإن حركة الجهاد الإسلامي، التي تنصلت في بداية الخلافات من أية مسؤولية لها عن إقامة هذا المشروع، بدأت تخفف من توجيه الانتقادات خلال الفترة الأخيرة. ويبدو أن اللقاء بين الأمين العام للحركة وبين رئيس حركة حماس، إسماعيل هنية، بمصر، في 7 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قد ليّن قليلاً من الانتقادات التي توجهها الحركة في موضوع المستشفى. 

حماس: نفاق حركة فتح

ولكن، علاوة على ذلك يظهر، كما سبق القول، الفتور الذي يميز رد حركة حماس على هذه الانتقادات. فقد رفضت حماس كل الادعاءات الموجهة ضد المشروع، واتهمت حركة فتح بالنفاق. فهي قد سمحت باستمرار عمل المهندسين وسمحت أيضاً بنشر صور الأبنية المقامة التي توضح التقدم في عملية الإنشاء. وإذا لم يكن ذلك كافياً فقد سافر إسماعيل هنية، رئيس حركة حماس، إلى القاهرة (في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر) لعقد سلسلة من اللقاءات، ومن هناك واصل جولة طويلة في دول عربية وإسلامية، وهي الجولة التي كان ينوي القيام بها مع انتخابه للمنصب في تموز/ يوليو 2017، لكن المصريين منعوه في ذلك الوقت.    

وفي القاهرة عُرضت على حركة حماس مبادئ التهدئة والتسهيلات التي سيحظى بها قطاع غزة في حال الحفاظ على هذه المبادئ. ويبدو أن لدى الحركة نية في السير في هذا الاتجاه وإحلال الهدوء في القطاع بهدف التخلص من العبء الذي يفرضه عليها الواقع الحالي، وكذلك من أجل تعزيز قوتها وصورتها كجهة حاكمة. ومطلوب منها الآن اتخاذ قرارات تعبر عن موافقتها التنظيمية على هذه المقترحات وسواها، والتي ستكون الشغل الشاغل لهنية وللقيادة التي ترافقه في جولته الخارجية الطويلة. والتحفظات على الأخبار التي تتحدث عن تهدئة لسنوات طويلة والتي يطلقها مسؤولون كبار في الحركة خلال الأيام الأخيرة قد تكون مرتبطة بالتباطؤ الحاصل من جانب إسرائيل بسبب انشغالها بالانتخابات، أو بالمواجهة التي تدخلها حماس مع حملة الانتقادات التي تهدف الإساءة إلى صورتها كحركة مقاومة. وفي الوقت نفسه تمت في القاهرة تسوية جزء من الخلافات العالقة بين حماس والجهاد الإسلامي والتي كانت قد ظهرت في أعقاب أحداث عملية "الحزام الأسود" (المواجهة بين إسرائيل والجهاد الإسلامي في بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام). وحركة الجهاد الإسلامي ملتزمة بشكل كبير بالتنسيق مع حماس ومع غرفة العمليات المشتركة بينهما على الرغم من أنها تواصل الإصرار، في العلن، على طلبها بالرد على أي عمل إسرائيلي. وعلى ما يبدو فإن حماس لم تتضرر من عدم تدخلها إلى جانب الجهاد الإسلامي في أحداث عملية "الحزام الأسود"، وحتى أنها قد تكون قد عززت موقعها بعدها.  

وعليه فإننا نجد أن السلوك الداخلي الفلسطيني في قضيتي المستشفى و "التسوية" يكشف مظاهر التفتت التي تحوم فوق الساحة الفلسطينية منذ مدة. فالمقاومة المسلحة التي تبنتها حركة حماس، والتي أرادت أن تكون البديل للمشروع الوطني الكبير لمنظمة التحرير الفلسطينية، الفاشل من وجهة نظرها، هذه المقاومة وصلت عملياً إلى طريق مسدود. ولا تزال حركة حماس، في العلن، تدعم استراتيجية المقاومة لكنها عملياً منشغلة بالبحث عن طرق للنضال غير المسلح ضد إسرائيل. ولذلك نجدها تتجاهل النقد الموجه إليها في قضية المستشفى، وتعرب عن عدم الثقة بالمنتقدين، حتى بما في ذلك تلك الانتقادات الموجهة لها من رام الله. وهي مستعدة للمضي قدماً في عملية "تسوية" منفردة في قطاع غزة، وهي عملية أوسع وملزمة أكثر مما عرفناه عام 2014.    

ومن شأن هذه العملية أن تمنح حركة حماس سلسلة من المزايا مثل تخفيف الحصار، وتسهيل حركة العبور على المعابر، وتصدير البضائع، وإقامة المنشآت والمشاريع، مثل المستشفى، والتي قد تفسَّر كاعتراف بنوع معين لسيادة حماس في القطاع. وبذلك يمكن أن يتم تثبيت واقع يعمق الانقسام والفصل عن الضفة الغربية، وهو ما يسهل على حركة حماس الحصول على اعتراف بعض الجهات والمؤسسات الإسلامية والعربية التي أصرت حتى الآن على رؤيتها كفصيل منشق، ورؤية منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. كما أن ذلك سيقوي قبضتها على قطاع  غزة ويمنح مواطنيه تهدئة طويلة.   

ومنظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة أبو مازن، تنظر بخيبة أمل إلى هذه العلاقة الآخذة بالتشكل هنا بين مصر وإسرائيل وحماس والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، وترى في هذه الخطوة استمراراً لسياسة ترامب التي أفرغت عملية السلام من أي مضمون وذلك بعد أن قام بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتخفيض الدعم المالي للسلطة الفلسطينية والأونروا، وبعد أن أوضح أنه لا يوجد أي تعارض بين القانون الدولي وبين إقامة المستوطنات. ومثل هذا الواقع يضع أبو مازن على مفترق طرق. فبعد التخفيضات الكبيرة التي فرضها على تمويل قطاع غزة لم تتبقَ بين يديه أية أدوات للضغط يمكنه استخدامها ضد حركة حماس، وهو مضطر للحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى "المشروع الوطني". وتسود الخشية في رام الله من احتمال أن تحصل حماس على قسم من المساعدات المقتطعة من السلطة الفلسطينية في مقابل موافقتها على شروط التهدئة و "تأبيد الانفصال"، على حد وصفهم، والتخلص من نفوذ رام الله.   

وإذا ما خرجت "التسوية" إلى حيز التنفيذ، وفق الصيغة التي عرضناه أعلاه، فإنها ستقرب منظمة التحرير الفلسطينية من لحظة الحقيقة التي تحاول الفرار منها منذ سنوات عديدة، وسترغمها على اتخاذ قرارات في موضوع استمرار العلاقات مع إسرائيل، ومسيرة أوسلو، وسبل المحافظة على المشروع الوطني الفلسطيني، وفي موضوع مواصلة التنسيق الأمني. 

حان الوقت لخطوات من جانب إسرائيل أيضاً

إسرائيل لن تستطيع أيضاً أن تتجاهل لفترة طويلة من الزمن الوضع الآخذ بالنشوء في الضفة الغربية – فالسلطة الفلسطينية التي تزداد ضعفاً، وهي محبطة وتفقد ثقة الجمهور والمبرر لوجودها، تتعرض للانتقادات بسبب الفساد المستشري فيها، وبسبب تركها للكفاح المسلح ومواصلة التنسيق الأمني. وسيكون مطلوباً من إسرائيل اتخاذ خطوات تعزز قوة السلطة (الفلسطينية)، وخطوات أخرى تمنحها الشعور بأن إسرائيل ترى فيها عنصراً حاكماً مرغوباً فيه، وبأنها تعترف بعلاقتها بالقطاع، وأنها لا تزال ملتزمة بعملية السلام على الرغم من كل الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية تجاه السلطة، بالإضافة إلى خطوات لبناء الثقة تحافظ على التزام السلطة بالاتفاقيات التي وقعت عليها مع إسرائيل. وعلى هذه الخلفية توجد في قطاع غزة أصوات محبطة في أوساط حركة فتح تعمل مؤخراً على خيار الكونفيدرالية الفلسطينية، أي الاتحاد الكونفيدرالي بين دولة غزة وبين الدولة في الضفة الغربية، كحل محتمل. 

 

ترجمة: مرعي حطيني

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً