الأردنيون ليسوا مغفلين

إن اتفاق الغاز مع الأردن يخدم أيضاً أهدافنا الاقتصادية. فإسرائيل التي نزلت عليها البركة باكتشاف حقول الغاز الضخمة في تامار ولفيتان، تبحث عن أسواق إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي إليها، والأردن هو الخيار الطبيعي كهدف أول للتسويق.

اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل
قبل اثنين وعشرين عاماً وقعت إسرائيل والأردن على اتفاق سلام تاريخي فتح فصلاً جديداً من العلاقات بين الدولتين. واليوم تقوم الدولتان بحصاد ثمار السلام باتفاق تاريخي آخر – هو اتفاق الغاز بين شركة الكهرباء الأردنية ومجموعة شركات حقل لفيتان. وقد التزمت هذه الشركات في الاتفاق بتزويد الأردن بما يصل إلى 45 مليار متر مكعب من الغاز، على مدى 15 سنة، وذلك في مقابل مبلغ يقدر بحوالي عشرة مليارات دولار – وهذا بدون أدنى شك هو الاتفاق الاقتصادي الأكبر الذي تم التوقيع عليه في تاريخ إسرائيل مع دولة عربية.

 

لقد كان من المقرر أن يتم التوقيع على هذا الاتفاق مع الأردن فوق العشب الأخضر في البيت الأبيض في شهر كانون الثاني / يناير 2015، إلا أن المصاعب التنظيمية الخاصة بخطة الغاز خلطت الأوراق وأدت إلى تأخير كبير. وبعد المصادقة على الخطة فقط، أصبح بالإمكان تحريك الاتصالات من جديد مع الأردنيين، الذين أرادوا أن يعرفوا بشكل مؤكد أنه سيتم تطوير حقل لفيتان وأن صناعة الغاز الإسرائيلية هي مصدر مستقر لعشرات السنين القادمة.

 

وعلى الرغم من الفوائد السياسية والجيو سياسية الواضحة لهذا الاتفاق، والتي ستؤدي إلى تعزيز العلاقات بين الدولتين وإلى استقرار الشرق الأوسط المتقلب، فإن المنطق القائم في نهاية الأمر وراء اتفاق الغاز بين الأردن وإسرائيل هو منطق اقتصادي في أساسه، وهو لم يكن ليُنَفَذ لولا مصالح الطرفين.

 

إن المصلحة الأردنية في ذلك واضحة. فأزمة الغاز التي تعاني منها مصر ووقف تزويد الغاز المصري للأردن أدخل المملكة الأردنية في أزمة خطيرة على صعيد الطاقة والاقتصاد، حيث اضطرت الحكومة الأردنية إلى تحمل فوائض تكلفة تصل إلى مليارات الدولارات وذلك في أعقاب "الربيع العربي" والحرب في سوريا والعراق، مع ملايين اللاجئين الذين يطرقون الأبواب.

 

إن اتفاق الغاز مع مجموعة شركات لفيتان سيمكن الأردن من إنهاء فترة الأزمة وأن يرسخ اقتصاد الطاقة الخاص به على مدى عشرات السنين بالاعتماد على غاز طبيعي محلي، وبإمدادات مضمونة عبر خط مباشر من دولة مجاورة وبسعر مناسب في مقابل الخيارات الأخرى، التي تعتمد على أنواع من الوقود عالية التلوث والغالية الثمن، مثل الفحم والسولار والمازوت، أو الاستيراد مرتفع الثمن للغاز المسال.

 

ولذلك، وعلى الرغم من معارضة الأخوان المسلمين في الأردن ومظاهرات الاحتجاج التي نظمتها المعارضة ضد الاتفاق وضد التطبيع مع "الكيان الصهيوني"، كان من الواضح لمتخذي القرارات في الأردن، وفي مقدمتهم العائلة المالكة، أنه لا يوجد بديل اقتصادي للاتفاق مع مجموعة شركات لفيتان.

 

وعلى الرغم من الادعاءات التي تسمع بشكل متكرر في إسرائيل حول سعر الغاز فإن الاردنيين يشترون الغاز من مجموعة شركات لفيتان فقط بعد أن أجروا دراسة معمقة للأسواق وبعد أن درسوا بدائل أخرى لاستيراد الغاز، بما في ذلك الغاز المسال، ووصلوا إلى النتيجة بأن الغاز الإسرائيلي هو البديل الأرخص والمضمون، من وجهة نظرهم، وهو الخيار الإقليمي المفضل. ووفق معطيات وزارة الطاقة الأردنية فإن الانتقال للغاز الطبيعي سيوفر على الأردن  حوالي 600 مليون دولار في كل سنة، وسيمنح الاستقرار لقطاع الطاقة في البلد. حيث أنه وعلى الرغم من الثمن السياسي المرتبط بذلك فإن الفوائد الاقتصادية المرتبطة به لا يمكن تقديرها.

 

إن اتفاق الغاز مع الأردن يخدم أيضاً أهدافنا الاقتصادية. فإسرائيل التي نزلت عليها البركة باكتشاف حقول الغاز الضخمة في تامار ولفيتان، تبحث عن أسواق إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي إليها، والأردن هو الخيار الطبيعي كهدف أول للتسويق. بالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاق مع شركة الكهرباء الأردنية هو عملياً "اتفاق المرساة" الذي سيمكن من تطوير حقل لفيتان، بالإضافة إلى الطلبات المتوقعة على الغاز في السوق المحلية الذي سيعطي رياحاً دافعة لاستمرار نشاطات التنقيب.

 

كما أن لاتفاق الغاز التاريخي بين الأردن وإسرائيل راعٍ محترم يتمثل بوزارة الخارجية الأمريكية التي دعمت صياغة الاتفاق في مختلف مراحله. واليوم، وبعد أن تجاوزنا المصاعب المتعلقة بخطة الغاز، والتي أدخلت صناعة الغاز الإسرائيلية في حالة طويلة لا لزوم لها من الشلل، بعد ذلك تبدأ دولة إسرائيل بجني الفوائد الاقتصادية والسياسية لاكتشافات الغاز الموجودة لديها، وبالتحول إلى مرساة للاستقرار الإقليمي على صعيد الطاقة.

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً