الحرم ليس الشانزلزيه

لقد أثبت الفلسطينيون في أيام ذروة الأزمة، لأنفسهم وللعالم أيضاً، أن القرار بإبقاء ساحة جبل الهيكل (الحرم القدسي) خالية يجعلنا تحت الضغط ويدفع العالم للبحث عن حلّ.

لقد دفعنا في الأزمة الأخيرة ثمناً على عدم وجود شريك لإسرائيل مخول للحديث معه حول القدس
يوما الجمعة الأخيران مرا بهدوء نسبي في باحة جبل الهيكل (الحرم القدسي) إلا أن تداعيات الأزمة لا زالت حاضرة. فالعلاقات مع الأردن لم تعد إلى مسارها المعتاد (على الرغم من الضغوط التي يمارسها الفلسطينيون الأردنيون لتجديدها حتى يتمكنوا من الحصول على تأشيرات لزيارة الضفة الغربية)، كما أن السلطة الفلسطينية لم تستأنف التنسيق الأمني وسواه مع إسرائيل وهي تكبد الملك الأردني عبد الله عناء زيارة رام الله لأنه يريد الامتناع عن الحصول على تأشيرة مرور من إسرائيل على جسر اللنبي. 

 

لقد أثبت الفلسطينيون في أيام ذروة الأزمة، لأنفسهم وللعالم أيضاً، أن القرار بإبقاء ساحة جبل الهيكل (الحرم القدسي) خالية يجعلنا تحت الضغط ويدفع العالم للبحث عن حلّ. إن وضع أجهزة الكشف عن المعادن لم يكن جريمة، إلا أنه كان وسيلة لمنع إدخال الأسلحة إلى الساحة. والقرار لم يدرس، لسبب ما، التداعيات السياسية المحتملة له، وهو كان حلاً تكتيكياً وخطأً إستراتيجياً. وللأسف فإن الحكومة لم تتراجع فوراً عنه عندما أدركت الثمن المترتب عليه، ولكن من الجيد أنها فعلت ذلك في نهاية المطاف. وكان هناك ثمن لإنهاء هذه القضية وذلك لأنه كشف ارتباك إسرائيل، إلا أن ذلك كان أفضل بكثير من إبقاء الأزمة كالجرح المفتوح.   

 

ومثلما هو الحال في كل الأزمات فقد كان لأزمة جبل الهيكل (الحرم القدسي) بعض الفوائد، وإحدى هذه الفوائد هي القدرة على محاولة استخلاص العبر مما حدث خلالها بهدف تقليل فرص حدوث أخطاء مشابهة في المستقبل:

 

على الرغم من أنه يوجد بيننا من يكررون ويتساءلون "ماذا كانت ستفعل فرنسا لو أن ذلك حدث في باريس؟"، على الرغم من ذلك أقول إن جبل الهيكل (الحرم القدسي) ليس الشانزلزيه من ناحية السيادة الإسرائيلية عليه. فلا توجد أية دولة في العالم لا تعترف بسيادة فرنسا على الشانزلزيه، كما أنه لا توجد دولة واحدة في العالم تعترف بسيادتنا على جبل الهيكل (الحرم القدسي). أضف إلى ذلك حقيقة أن القيادة الدينية الأرثودوكسية لدينا (اليهودية المتمسكة بالقوالب القديمة / المترجم) ترى في الدخول إلى جبل الهيكل (الحرم القدسي) نوعاً من الكفر، وأنه يجب الإبقاء على إدارة المكان في يد الوقف الأردني. هذه هي سيادة نحن الوحيدين الذين نعترف بها من جهة أولى، ومن جهة ثانية قمنا نحن بالامتناع عن تطبيقها على مدى الخمسين سنة الأخيرة. وهناك فئة كبيرة في المجتمع الإسرائيلي مهتمة بتغيير الوضع القائم المشوَّش تماماً، وذلك من خلال الاستعداد للدخول في مواجهة مع العالم والمخاطرة بصراع عنيف ومديد مع الفلسطينيين، إلا أن غالبية كبيرة من الجمهور تعارض ذلك. ومن يعارض فتح باب هذه المصيبة عليه أن يكون حذراً جداً، طالما أننا لم نتوصل بعد إلى حل دائم. 

 

إن الدول العربية، حتى تلك التي تطورت معها علاقات وثيقة من خلف الكواليس، لا توجد في حالة تمكنها من الوقوف إلى جانبنا في مثل هذه الأزمات. ويجب علينا ألا نقع في فخ العلاقات الحميمة مع الزعماء العرب الذين يهمسون في آذاننا بالنقد ضد الفلسطينيين. فحتى هم، إذا أدركوا أن أجهزة الكشف عن المعادن ستشكل حجة في أيدي الجهات المتطرفة فإنه لن يكون هناك أي أمل في أن يدخلوا في مواجهة مع الرأي العام في بلدانهم. ولن تدفعهم العلاقات الأمنية معهم إلى إركاع الجانب الفلسطيني، كما أن العلاقات العلنية معهم ستضطر للانتظار إلى حين تحقيق السلام مع الدولة الفلسطينية العتيدة. 

لقد دفعنا في الأزمة الأخيرة ثمناً على عدم وجود شريك لإسرائيل مخول للحديث معه حول القدس. وعندما قام رئيس الحكومة السابق، اريئيل شارون، بإغلاق "بيت الشرق" في آب/ أغسطس 2001، لم يدرك أن البديل قد يكون رائد صلاح، الذي لا يوجد جدوى من الحديث معه. 

 

لقد لوحظ، بشكل كبير، غياب مجلس الأمن القومي كعنصر موجِّه في عملية اتخاذ القرارات. ومجلس الأمن القومي برئاسة شخص مثل يعقوب عميدرور كان من شأنه أن يمنع هذه السلسلة من الأخطاء. وهناك حاجة ملحة لإعادة الاعتبار لمجلس الأمن القومي إلى سابق عهده.


ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً