تبرئة مبارك: اللحن الأخير في سيمفونية الربيع المصري

مصر هي الدولة الأهم في العالم العربي. ونجاحها ورخاؤها هامان لإسرائيل. ومن غير الممكن تحقيق الاستقرار في المنطقة بدونها. مبارك لم ينجح في هذه المهمة، وهذا هو إرثه الذي سيبقى إلى الأبد.

الرئيس المصري المعزول حسني مبارك
في نهاية الأسبوع، قررت المحكمة المصرية تبرئة حسني مبارك، الرئيس المصري المعزول، الذي قضى السنوات الأخيرة في سجن طرة بتهمة قتل متظاهرين في ميدان التحرير في شتاء 2011. ولم يُحدِث هذا الخبر هزة في الشارع المصري الذي ثار قبل ست سنوات على مبارك وتابع بترقب "محاكمة العصر" التي بدأت في العام نفسه.

لقد جرت مياه كثيرة في نهر النيل منذ ذلك الوقت: أحداث دراماتيكية، وعمليات تخريبية، وعمليات قتل وثورات. وعدم الاكتراث بقرارات المحكمة هو أمر مفهوم. فالشعب المصري، الذي يقترب من 100 مليون، يواصل العيش، بل بالكاد يقيم أوده، وأصبحت أخبار الربيع العربي ومحاكمة مبارك لا تعنيه. وتشكل هذه التبرئة اللحن (المقام) الأخير في سيمفونية الربيع المصري.

لقد قمت في شهر كانون الثاني/ يناير 2011 بتصوير التظاهرات الضخمة في ميدان التحرير في القاهرة، وكذلك عملية دهس المتظاهرين بواسطة الجِمال، والنساء والرجال الذين جاؤوا من كل أنحاء مصر ومن كل فئات الشعب للمطالبة باستعادة دولتهم من يد حاكمها المستبد. وكان هناك الكثير من الآمال. حيث كان المتظاهرون يأملون بأن يتم توزيع ثروة مبارك الضخمة بالتساوي بين الفقراء. وحتى أنه كان هناك من حلم بشنقه في ساحة المدينة. وقد سألت بعضهم: هل كان ذلك سيجعل حياتكم أسهل؟ إلا أنهم لم يعرفوا الإجابة على هذا السؤال.

الأخوان المسلمون كانوا في الميدان أيضاً، إلا أنهم كانوا يقفون جانباً، يتحينون الفرصة التي أتت بعد عدة أشهر. كما كان هناك آخرون – شباب كانوا يحلمون بمصر حديثة تستطيع تجاوز عدم المساواة، وتُقدم الأجور المناسبة، والتقاعد الكريم، والتعليم الجيد للأبناء.

لقد انقضت أيام بدايات الربيع المصري. والواقع الذي أفاق عليه المصريون كان صعباً. فقد عاد الجيش ليسيطر على الدولة. وفي أول انتخابات نزيهة في تاريخ مصر فاز الرئيس الإسلامي، مرشح الأخوان المسلمين، محمد مرسي. وحقق الأخوان المسلمون حلمهم. إلا أن ذلك لم يكن حلم الكثيرين الذين كانوا يخافونهم. وفي حزيران/يونيو 2013 عدت إلى القاهرة وشاهدت الملايين الذين تدفقوا إلى الميدان وأقسموا على إسقاط مرسي. واليوم، بعد ست سنوات من بداية الربيع المصري، يحكم البلد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يحلم هو الآخر بمصر جديدة. وهو كان قد اُنتخب بغالبية كبيرة في الانتخابات التي جرت في 2014، ومنذ ذلك الوقت وهو يحاول تحسين الوضع في مصر، ويتحدث عن الإصلاحات والحرب ضد الإرهاب والتطرف، ويقوم بتوسيع قناة السويس، ويحاول جذب الاستثمارات الأجنبية، ويدعو إلى مفاوضات مع الفلسطينيين وإسرائيل بتأييد منه ومن الأردن. 
إلا أن الدولة لا تزال ترتعد، وهي ستواصل ارتعادها في المستقبل المنظور. فالفجوة بين أغنياء مصر وفقرائها إلى اتساع، وداعش يواصل ترسيخ نفسه في سيناء ويسيطر على مناطق شاسعة، ويوجه ضرباته إلى قوات الأمن المصرية وإلى المدنيين، وهو يقوم بطرد جماعات ضاربة في القدم من الأقباط ويهدد وحدة الدولة. وأولئك الذين غص بهم الميدان يشتكون من أنهم لا زالوا يعانون الأمر نفسه.

يبدو أن الثورة التي وُلدت من الفوضى محكومة بالفشل. فاليوم يقومون ببناء المراكز التجارية في ميدان التحرير وذلك على أمل أن يمتلئ بالسياح العائدين لزيارة الاهرامات، وللعوم في النيل. ولكن إذا ما استمر تدهور الجنيه المصري فإنه لن يتم تحقيق الأمن، ولن تتقدم الإصلاحات التي يعمل السيسي على تنفيذها – وسيناريو 2011 قد يتكرر، ولكن مع دماء أكثر هذه المرة. 

مصر هي الدولة الأهم في العالم العربي. ونجاحها ورخاؤها هامان لإسرائيل. ومن غير الممكن تحقيق الاستقرار في المنطقة بدونها. مبارك لم ينجح في هذه المهمة، وهذا هو إرثه الذي سيبقى إلى الأبد.


ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً