الأردن اختار الاستقرار

في الـ 20 من أيلول / سبتمبر جرت الانتخابات البرلمانية الـ 18في الأردن. وفي اليوم نفسه ألقى الملك عبد الله خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، واستهل خطابه بالثناء على أنباء شعبه. وعلى خلفية الحروب الأهلية الدامية في الدول المجاورة، مثل العراق وسورية، وجمود المسيرة الداخلية في لبنان والعملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإنه يمكن للملك الأردني أن يفخر بأن بلاده تجري انتخابات شفافة في جوهرها، والتي تجري بإشراف أجنبي لأكثر من مائة مراقب من قبل الاتحاد الأوروبي.

الأردن اختار الاستقرار
في الـ 20 من أيلول / سبتمبر جرت الانتخابات البرلمانية الـ 18في الأردن. وفي اليوم نفسه ألقى الملك عبد الله خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، واستهل خطابه بالثناء على أنباء شعبه. وعلى خلفية الحروب الأهلية الدامية في الدول المجاورة، مثل العراق وسورية، وجمود المسيرة الداخلية في لبنان والعملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإنه يمكن للملك الأردني أن يفخر بأن بلاده تجري انتخابات شفافة في جوهرها، والتي تجري بإشراف أجنبي لأكثر من مائة مراقب من قبل الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أنه تم في منطقة انتخابية واحدة إجراء انتخابات معادة، فإن الأردن قد ظهر في الانتخابات كجزيرة للاستقرار في بحر الشرق الأوسط العاصف، والتي تنجح في التغلب على المصاعب الداخلية الآخذة في الازدياد نتيجة للهزة الأرضية الإنسانية والسياسية التي تضرب المنطقة. 

وبغيابه عن الأردن في يوم الانتخابات بالذات "خضع" الملك للجدول الزمني الدولي الذي لم يكن بوسعه تغييره، إلا أنه بعث بإشارات الثقة بالناخب الأردني وذلك بأنه لن يُقْدِم على أية مفاجآت جدية تؤدي إلى حدوث ضعف في موازين القوى بين الملك والسلطة التنفيذية وبين السلطة البرلمانية التشريعية. وموازين القوى هذا جرى تغييره قليلاً في الدستور الأردني الذي تم تعديله قليلاً في عام 2012 في أعقاب "الربيع العربي"، حيث حافظ الملك في إطاره على صلاحياته وعلى إمساكه بجدول الأعمال الوطني. وقد كان البرلمان الأردني المنتهية ولايته، بحق، أكثر مشاكسة ونقداً، على سبيل المثال في موضوع مثل موضوع العلاقات بين إسرائيل والأردن، إلا أن تأثيره في هذا الموضوع كان هامشياً في نهاية المطاف.

 

الكثير من الاهتمام أثارته حركة "الإخوان المسلمين"، أو بشكل أدق – الحزب الذي يمثلها في الأردن، "جبهة العمل الإسلامي". وكانت قد تمت مقاطعة الانتخابات في 2010 و 2013 من قبل الحركة، إلى درجة كبيرة، بسبب تلقيها المشورة من الحركة الأم لـ "الأخوان المسلمين" في مصر. ومنذ ذلك الوقت شهدت الحركة في الأردن تغييرات قيادية وليونة أيديولوجية، الأمر الذي أدى إلى تغيير موقفها حيال الانتخابات. وقد أدخلت الحركة ممثلين عنها في الكثير من المناطق الانتخابية، وبخاصة في عمان، والذين خاضوا المنافسة في الإطار الجامع المسمى "التحالف الوطني للإصلاح". كذلك تم تقديم مرشحين في مناطق انتخابية عديدة مثل الزرقاء وجرش ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وتدل النتائج الأولية للانتخابات على فوز جزئي ومحدود للحركة. وأعرب أحد زعماء الأخوان المسلمين في الأردن قبل الانتخابات عن أمله بأن الحركة ستفوز بـ 15 - 20 معقداً، وبخاصة في عمان (10 - 15% من مجمل المقاعد). وبعد نشر النتائج تفاخر الناطق باسم الحركة بفوزها بـ 15مقعداً، إلا أن ثلثها تم الحصول عليه في إطار ضمان تمثيل النساء والشراكس، والذين أقام معهم الأخوان المسلمون تحالفهم. وفي ضوء نتائج الانتخابات فإنه من الصواب القول إن الأخوان المسلمين يتمتعون بالتأييد في عمان وفي مخيمات اللاجئين وفي منطقتي الزرقاء وإربد. ومع ذلك فإنه إذا ما أخذنا في الحسبان نسب التصويت المتدنية، وأن ذلك أدى إلى الإضرار بالدرجة نفسها بكل الأحزاب، فإنه يمكن القول إن الحركة لا تشكل قوة سياسية جدية في الأردن.

 

والنتيجة التي يمكن التوصل إليها هي أن الأخوان المسلمين نجحوا بشكل جزئي فقط في التعافي من القرار الإستراتيجي الذي اتخذوه في عام 2010 بمقاطعة الانتخابات، ومن تبعات علاقاتهم مع الحركة في مصر، والتي تم إقصاؤها بعد عام واحد في السلطة وتجري مطاردتها من قبل النظام الحالي في مصر. وفي خلفية هذا النجاح المتوسط للإخوان المسلمين تمكن الإشارة أيضاً إلى الاشمئزاز والخشية من "الدولة الإسلامية" في أوساط السكان الأردنيين الكبار (على الرغم من أن الكثير من مئات الأردنيين قد التحقوا بها) اللذين ازدادا في أعقاب عملية القتل الوحشية التي تمت في كانون الثاني / يناير 2015 بحق الطيار الأردني معاذ الكساسبة والذي كان قد وقع في الأسر في منطقة يسيطر عليها التنظيم في سوريا. كما أن الانقسام الداخلي في الحركة قد أدى إلى إضعافها حيث خرجت عنها حركتان – "رابطة الأخوان المسلمين" التي تعترف بها الحكومة، و"مبادرة زمزم" – وشاركتا بشكل مستقل في الانتخابات الأخيرة. إلا أن الانتخابات ليست المقياس الوحيد على مدى تأثير أفكار الأخوان المسلمين، ولا حتى على مدى تأييد "الدولة الإسلامية". فنسب البطالة المرتفعة في أوساط الشباب، وبخاصة في أوساط ذوي التأهيل العلمي العالي، تخلق أرضاً خصبة للحركات ذات التوجهات الإسلامية. وتحاول الحكومة الأردنية، وبتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية، السيطرة، وذلك بنجاح جزئي إلى الآن، على ما يجري داخل المساجد المخالفة والتي هي غير معروفة وغير مرخصة. وكان بالإمكان تلمس القلق المتعاظم في أوساط النظام في خطاب الملك أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، والذي خصص جلّه لموضوع الإسلام وتشويه صورته من قبل "الدولة الإسلامية" ومثيلاتها. ومن هذه الزاوية فإن التغييرات التي أجراها الأخوان المسلمون الأردنيون على قيادتهم، وعلى علاقاتهم مع الحركة المصرية الأم، وعلى توجهاتهم حيال الساحة السياسية الداخلية الأردنية، من شأنها أن تفتح أمامهم جسراً للحوار مع العاهل الأردني.

 

إن أسلوب الانتخابات للبرلمان الأردني، على الرغم من التغييرات الهامة والإيجابية التي أُدخلت عليه منذ عام 2012، لازال يعطي أفضلية عددية للمرشحين في القوائم ذات الطابع المحلي في مقابل المتنافسين في القوائم القُطرِية. وبالمجموع فقد تمت الموافقة على 226 قائمة من قبل الهيئة المستقلة للانتخابات. بعضها تنافست في أكثر من مركز سكاني، وهو معطى يشير إلى الانقسام الكبير، وإلى التركيز على المواضيع المحلية. ويبدو أن تركيبة البرلمان ذات الطابع المحلي من شأنها التخفيف على الحكومة في صد الضغوط البرلمانية وخدمة النظام، بحيث لا يضطر إلى مواجهة كتل برلمانية قوية ذات أجندة وطنية. ومن جهة أولى فإن الدمج بين الدستور وقانون الانتخابات يمكّن النظام الهاشمي من أن يتجاوز بسهولة نسبية السنوات الصعبة منذ اندلاع "الربيع العربي". ومن جهة ثانية، تجدر الإشارة إلى أن الجدل في الخطاب العام لتحديد وظيفة البرلمان وموقعه في مواجهة السلطة التنفيذية، بما يتجاوز التعريف الرسمي في الدستور، لا يزال متواصلاً، وفي هذه المرحلة تجاوز النظام اضطرابات الصحوة الاجتماعية السياسية لـ "الربيع العربي" بنجاح، إلا أن عليه أن يبقى يقظاً للمزاج السائد على النحو الذي ينعكس عليه في النقاش العام.

 

وسيواصل الأردن في الولاية القادمة للبرلمان في مواجهة تحديات وجودية هامة، والتي سيكون لبعضها جوانب قضائية وقانونية. فهناك مواجهة الإرهاب، والتحاق المواطنين الأردنيين بالتنظيمات السلفية الجهادية وتورطهم في عمليات إرهابية في ما وراء حدود الدولة، والكثير من الأسئلة المرتبطة بموقع اللاجئين السوريين في الأردن وحقوقهم المدنية والاقتصادية. وهذه القضايا ستُطرح على نحو متزايد في المستقبل، وهي قد تصل إلى عتبات البرلمان. ومن هذه الناحية، سيكون بمقدوره السمو إلى درجة المسؤولية الوطنية المطلوبة. 

كما أنه من المتوقع لقضية تدخل البرلمان في المواضيع الخارجية، وبشكل خاص في موضوع موقفه من العلاقات مع إسرائيل، أن تعود لتطفو على السطح من جديد. فالبرلمان الأردني قد عمل منذ التوقيع على معاهدة السلام مع إسرائيل كساحة لمقارعتها، ولمعارضة خطوات تطبيع العلاقات معها ولتوجيه الانتقادات للحكومة التي لا تقوم بقطع هذه العلاقات. وعودة الأخوان المسلمين للبرلمان تعطيهم منصة مريحة لمهاجمة الحكومة في الموضوع الذي سيجدون لهم فيه الكثير من الشركاء من بين الأحزاب الأخرى. وفي الوقت نفسه فإن الارتباط السياسي مع الشراكس في الأردن وبين الأخوان المسلمين، في صيغته الجديدة والمعقدة، يفتح احتمالات هامة من ناحية إسرائيل والتي توجد فيها طوائف موازية لها وتقيم علاقات متشبعة مع تلك الموجودة في الأردن.

 

وفي النهاية، فإن البرلمان الأردني السابق لم يكن لاعباً مركزياً في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن، كما سبق القول، فإن البرلمان الذي ستلتئم اجتماعاته قريباً، وفي الظروف الجديدة التي تخلقها المنطقة، قد يُطلب منه اتخاذ قرارات حاسمة وهامة وذات تأثيرات بعيدة المدى. ومن المحتمل أن يتغير عندها أيضاً موقعه في نظر الناخبين الأردنيين، الذين بقوا في غالبيتهم، في منازلهم، غير مبالين بالانتخابات وتداعياتها.

ترجمة: مرعي حطيني

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً