الروس والأكراد: تغيير الاتجاه

تحفظت وزارة الخارجية الروسية على الاستفتاء الكردي وذلك كجزء من الموقف الروسي التقليدي الداعم لـ "الاستقرار" والحفاظ على الحدود القائمة للدول ذات السيادة. إلا أن الحديث يدور عن معارضة لفظية وحسب، معارضة شكلية وغير عملية جاءت للتغطية على السياسة الحقيقية. ويبدو أن الروس قد أدركوا خلال السنوات الأخيرة أنه لا يمكن وقف المسيرة الكردية باتجاه الاستقلال، وبدأوا بالاستعداد لهذا السيناريو بكل الجدية.

الروس يستغلون المعارضة الأميركية للاستفتاء حتى النهاية ولا يفوتون فرصة الإساءة للولايات المتحدة الأميركية

نتائج الاستفتاء حول مستقبل كردستان العراق لم تتضح بعد بشكل نهائي، إلا أن موقف إسرائيل بوصفها المؤيدة الوحيدة لاستقلال الأكراد قد نُقش جيداً في ذاكرة شعوب الشرق الأوسط. فهذا التأييد هو عمل شجاع وصحيح من كل النواحي، ويجسد الموقف الإسرائيلي سواء لجهة الدعم الأخلاقي لشعب مضطهَد أو لجهة الإدراك بأن هذا هو اتجاه التطور المنشود للمنطقة الصعبة التي نعيش فيها.

 

ورسمياً، تحفظت وزارة الخارجية الروسية على الاستفتاء الكردي وذلك كجزء من الموقف الروسي التقليدي الداعم لـ "الاستقرار" والحفاظ على الحدود القائمة للدول ذات السيادة. إلا أن الحديث يدور عن معارضة لفظية وحسب، معارضة شكلية وغير عملية جاءت للتغطية على السياسة الحقيقية. ويبدو أن الروس قد أدركوا خلال السنوات الأخيرة أنه لا يمكن وقف المسيرة الكردية باتجاه الاستقلال، وبدأوا بالاستعداد لهذا السيناريو بكل الجدية.     

 

وقد اعترف مصدر روسي مطلع على خفايا السياسة الخارجية الروسية، والذي زار إسرائيل مؤخراً، بأن الروس يقدمون المشورة للأكراد وللحكومة المركزية في بغداد للبحث معاً في المستقبل المشترك إلا أنهم في الوقت نفسه يدركون أن المستقبل سيكون الانفصال، وهم يستعدون لذلك. إن "والد الزعيم الحالي، الزعيم الكردي مصطفى البرزاني، كان صديقاً لنا. وهو قد عاش على مدى 12 عاماً منفياً في الاتحاد السوفييتي، والعلاقات التاريخية التي قامت مع الأكراد منذ ذلك الوقت لا تزال قائمة"، قال المصدر الروسي وهو يبتسم وأشار إلى أن بلاده لن تبكي على انفصال كردستان عن العراق، وخاصة إذا ما كان هناك تدخل روسي في الدولة الجديدة في المستقبل.    

 

وعلاوة على ذلك فإن الروس يستغلون المعارضة الأميركية للاستفتاء حتى النهاية ولا يفوتون فرصة الإساءة للولايات المتحدة الأميركية وإظهارها على أنها حليف متقلب وغير موثوق. هذه هي الرسالة التي تحاول موسكو تمريرها للأكراد ولإسرائيل على حد سواء. "لقد استغل الأمريكيون قتال الأكراد في ميدان المعركة، إلا أنهم يتركوهم الآن، في لحظة الحقيقة السياسية"، تقول الأصوات الصادرة عن الكرملين وتضيف، وبخاصة على مسامع الإسرائيليين، حجة لاذعة مفادها أن "الأمريكيين عندما يعارضون الاستفتاء الكردي إنما هم يقدمون خدمة للمصلحة الإيرانية، مثلما فعلوا عندما أعطوا لإيران السيطرة على العراق".   

 

إن موقف روسيا المعقد، ومحاولتها الارتباط مع كل الأطراف، يجسد جيداً التبدلات التي طرأت على سياستها الخارجية بعد عصر الاتحاد السوفييتي. فموسكو لم تعد تتحرك مدفوعة بالأيديولوجيا، وبدلاً من ذلك هي تتطلع لتحقيق مصالحها على كل الساحات، وبأية طريقة، وفي وجه أية جهة. وعلى الرغم من أن الطريق أمام استقلال كردستان لا يزال طويلاً فإن الأكراد يظهرون بأنهم منتصر محتمل، وليس في نية الروس الدخول في خصام معهم. وهناك لإسرائيل ما يمكن أن تتعلمه من النجاح الكردي وهو أن الروس قد لا يسارعوا إلى تأييدنا في الأمم المتحدة إلا أنهم إذا اقتنعوا بأننا سنصر على ما نريد ولن نتراجع أمام أعدائنا فإنهم سيكونون أول من يقبل بمواقفنا حول وحدة البلاد (أرض إسرائيل الكاملة / المترجم).

 

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

إقرأ أيضاً

العقوبات التي تخطط لها أوروبا حيال الضم

"واشنطن بوست": الصعود المبهر والسقوط...

"بوليتيكو": تراجع ترامب في عدد من...